فضيلة التعاون

قال الشيخ زايد رحمه الله تعالى: «أسلافنا وأسلافكم حكموا هذه البلاد متعاونين متضامنين منذ مئات السنين، رأيهم شورى بينهم، وقد كان نظامهم في تلك الأيام يتناسب مع زمانهم ومتطلبات حياتهم، وشاء الله جل وعلا أن يمنّ علينا بالثروة، وأن يرينا الحق ويرزقنا اتّباعه، فكان من نعمته علينا أن جعلنا نسير على الخط القويم الذي شاءه لنا».

إن الإنسان وحده لا يستطيع التغلب على صروف الحياة وأزماتها وضوائقها وشدائدها، لذا كان لا بد له من إخوان يعينونه، وأصدقاء صدق يناصرونه، يشتد بهم أزره، ويتقوى بهم ظهره.

إن الإنسان وحده مهما أوتي من قوة ومال وجاه لا يستطيع وحده مواجهة أعباء الحياة. إن كل إنسان في حاجة إلى عون، ولن يعان إلا إذا أعان، ومن أعان اليوم في حاجة يعان غدا، وما عاش إنسان لنفسه إلا ندم اليوم على ما كان منه في أمسه.

قد يظن إنسان تحت غروره بماله أو جاهه أو قوته وصحته أنه في غنى عن إخوانه في الإنسانية فيعيش لذاته، لسان حاله يقول نفسي فقط، وما درى أنه بهذا التصرف أخطأ، إذ إن المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، فالمؤمن الذي يعين إخوانه، ويساند من هو في حاجة إلى مساندة سيكون الآخرون عضده وساعده، إن وقع في ضائقة وجد الأيدي إليه ممدودة، ووجد عزائم إخوانه على الخلاص من ضائقته مقصودة، والعون الكبير سيكون من الله العلي الكبير، يقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

إن الإسلام يريد للعلاقة بين الناس أن تكون موثقة، ويريد للمحبة بينهم أن تكون موجودة ومحققة، ومن أسباب تحقيق ذلك التعاون، وإن الوقت الذي ينفقه الإنسان في قضاء مصالح أخيه لا يضيع سدى، ولا يذهب هباء، بل إن القدير العليم الذي بيده خزائن السماوات والأرض يجازي المعين بحسن عمله فيقضي له حاجاته، ويبارك له في أوقاته، ويحفظه ويرعاه، ويختم بالتوفيق مسعاه، فهو إن بذل لأخيه في الإنسانية قليلاً، نال به من الله تعالى خيراً كثيراً وأجراً جزيلاً، فليستعن المرء على قضاء حاجته بقضاء حاجات الناس.

إن المرء وحده ينوء تحت وطأة صروف الحياة وأزماتها، ونوازلها ومفاجآتها، فإذا أعين تغلب عليها حيث منح بفضل الله ثم بفضل معاونيه قوة خفّت عليه بسببها الأحمال وإن ثقلت، ودنت إليه الآمال وإن بعدت، ولقد ضرب الرسول -صلى الله عليه وسلم- مثلا لذلك فقال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ثم شبك بين أصابعه». إن الجدار إذا كان قائماً وحده فهو معرض للتخلخل أو الانهيار بسبب ريح عصفت أو عاصفة قصفت، فإذا ما اتصل بغيره رسخ في مكانه وصلب في مقامه، فالجدار وحده ضعيف وبأمثاله شديد قوي عتيد، ذلك مثل المؤمن للمؤمن. إن شأن المؤمنين التعاون والتكاتف لتحقيق مصالحهم الخاصة والعامة، وإنجاز كل المآرب الهامة.

من لطف الله ورحمته، ويسر الإسلام وسماحته أن جعل مجالات التعاون وفعل الخير والصدقات كثيرة، وأبوابها عديدة ووفيرة، حتى يعم الخير وينتشر، ويندحر الشر ويندثر، فالخير ينتظم كل بر، ويشمل كل قول طيب وعمل صالح، فالمؤمن الذي قلّ ماله أو انعدم؛ له في مجال الصدقات موضع قدم، فليست الصدقة مقصورة على ذوي الأموال من الأغنياء، أو أهل العطاء من الأثرياء، بل هي متحققة عند الفقراء كما جاء في الحديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلالة صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة».

واعظ ديني في وزارة الداخلية

تعليقات

تعليقات