لشهر رمضان فضيلة عظيمة امتاز بها على سائر الشهور لأنه سيدها كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «سيد الشهور رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة» ومعنى كونه سيدها أنه قائدها إلى الخيرات؛ لما فيه من النفحات الربانية لعباده المسلمين الذين لبَّوا نداء الله تعالى واستجابوا لأمره القائل:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) فلم يترددوا، بل قالوا سمعنا وأطعنا، ولم يزيدوا ولم ينقصوا، بل التزموا بالشهر الذي اختاره الله لهم بقوله سبحانه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) وقد أعد لهم من ثوابه على الصوم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ لأنه شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة بغير حساب، كما قال سبحانه: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).

وهو الشهر الذي عده النبي -صلى الله عليه وسلم- أحد أسس بناء الإسلام بقوله: «بني الإسلام على خمس: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان».

وقد كان من فضائله أن من صامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، كما ثبت في الصحيحين، ومعنى إيماناً أي تصديقاً بالله وبتشريعه وبما أعد الله تعالى لصائميه من الأجر، واحتساب ذلك الأجر عنده سبحانه، فلم يراءِ به ولم يفاخر، فيكون صيامه سبباً لتكفير السيئات، وإقالة العثرات، ورفع الدرجات، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر:

«من صام رمضان فعرف حدوده وتحفظ له ما ينبغي له أن يتحفظ فيه كفَّر ما قبله»، أي ما قبله من السيئات فيخرج العبد منه وقد حُطت خطاياه كما ورد في حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة المكتوبة إلى الصلاة التي بعدها، كفارة لما بينهما والجمعة إلى الجمعة، والشهر إلى الشهر - يعني رمضان إلى رمضان - كفارة لما بينهما»، وما ذلكم الفضل إلا لعظيم العبادة فيه التي تضاعف أضعافاً كثيرة.

كما ورد في حديث سلمان رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «فمن تطوع فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة»، ولذلك تأتي هذه الصالحات العظيمة فتكفر السيئات وتحطها، فإن الحسنات يذهبن السيئات، ومن هنا كان شهر رمضان غنيمة المسلم، إن هو جعله مضماراً لتسابقه للخيرات، وهذا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وقد أهل شهر رمضان:

«لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان»، لما فيه من عظيم الفضل وكثير العطاء من الرحمن الرحيم، وما فيه من تزكية النفس بالمراقبة الدائمة، والاشتغال بالطاعة المتواصلة، وما فيه من المعاني الملائكية التي لا تأكل ولا تشرب، وما فيه من كبح جماح النفس عن شهواتها ولذاتها، طاعة لله تعالى وحباً فيه سبحانه، وما فيه من استشعار الفقراء الذين يجوعون ويعطشون ويعرون فلا يجدون من يشبع جوعتهم أو يروي ظمأهم أو يكسو أجسادهم.

بينما المياسير يجدون كل ذلك أمامهم ولا يستطيعون تناوله إلا في الوقت الذي أذن الله تعالى فيه وهو الليل، فتعظم نعمة الله تعالى في نفوسهم، ويزدادون له شكراً وحمداً، وذلك هو محض التعبد لله تعالى، كما قال سبحانه: (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ) وفي ذلك استدرار لمزيد النعم وحفظ لها كما قال جل شأنه: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).

فهنيئا لنا معشر المسلمين، على هذا الفضل العظيم الذي ننال به الخير العميم، ورضوان ربنا الرحمن الرحيم.

فنسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً ممن صامه وقامه وإيماناً واحتساباً فغفر له ما تقدم من ذنبه، وأن يجعلنا من عتقائه، وممن ينالون فيه ليلة القدر، بمنِّه وكرمه سبحانه فهو الجواد الرحيم.

كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء بدبي