الجدل والترقب والتوجس هي العناوين الكبرى التي صاحبت ظهور كل وسيلة جديدة من وسائل الاتصال عبر تاريخها، كما أن الغموض كان يلف مدى تأثيراتها من الجانبين السلبي والإيجابي وسبل التعامل معها، وهل سنفتح صفحة إعلامية جديدة ونطوي أخرى؟ أم أن المجال أكثر اتساعا ورحابة؟

هكذا كان الشأن دائما مع كل جديد على الساحة الإعلامية، للحد الذي جعل أحد مشاهير قراء القرآن الكريم في مصر، يستفتي مفتي الديار المصرية عند بداية نشأة الإذاعة عن حكم قراءة القرآن فيها؟

وهو ذات القارئ الذي نصحه من حوله ألا يسجل القرآن للإذاعة لأنهم قد يستغنون بالتسجيل عنه فيفقد مورد رزقه، ففعل! ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن جدلا آخر دار حول خطورة تقديم الأخبار عبر الإذاعة في ذاك الوقت وتداعياته السلبية على بائعي الصحف، وهو أمر لم تثبت صحته في حينه وحتى الآن.

وشبكات التواصل الاجتماعي هي إحدى تجليات الإعلام الجديد، التي فتحت فضاءات لا حدود لها أمام مستخدميها، متخطين بها الحدود الجغرافية، وقربت المسافات وزاوجت بين الثقافات، وأحدثت ما يمكن أن نطلق عليه التقمص الوجداني لدى مستخدميها، وهو من أهم الدوافع لإحداث التقدم عبر التواصل مع الآخر، لما يمكن أن نسميه تبادلا وليس صراعا حضاريا.

ولا شك أن شبكات التواصل الاجتماعي استطاعت أن تجعل للجمهور دورا فاعلا في صناعة الخبر ومصدرا من مصادره، وظهر مفهوم "المواطن الصحفي".

ورغم المحاذير الواجبة في التعامل مع ما يتم نشره من خلاله، إلا أن ظهوره أدى إلى تسابق المؤسسات الإعلامية الرسمية في تطوير وتسارع نمط أدائها وتضييق دائرة المحاذير حتى تحافظ على جمهورها.

وفي تقديري أن الصحافة المطبوعة، وبخاصة في مؤسسة دبي للإعلام، قد استطاعت أن تتعامل مع هذا الواقع الإعلامي الجديد، واستفادت من الفضاءات التي يتيحها الإعلام الإلكتروني لتعزيز موقعها، عبر تقديم نفس الخدمات الإعلامية والصحفية التي يقدمها الإصدار الرسمي للنسخة الورقية وزيادة.

كما أنها تخطت الحدود المحلية وإمكانية البحث داخل الصحيفة، فضلا عن التغلب على المشكلة التي تواجه وسائل الاتصال الجماهيري التقليدية في تأخر معرفة آراء واتجاهات الجماهير حول المادة المقدمة، وهو ما يوفر الجهد والوقت والإنفاق على إجراء بحوث القراءة والمتابعة.

كما أن الدراسات الإعلامية تثبت بشكل قاطع، أن استخدام الفرد لإحدى الوسائل يدفعه لاستخدام الأخرى، وأن استخدامه للصحيفة الورقية يدفعه إلى الاطلاع على النسخة الإلكترونية، فضلا عن أن النقد الموجه إلى ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو الدافع الرئيس لبقاء واستمرار وسائل الاتصال التقليدية، وإن كان لفظ تقليدية لم يعد مناسبا، لأنها لم تعد كذلك بعد أن استفادت من معطيات العصر التكنولوجية.

ولا شك أن هذا الزخم الكبير لوسائل الإعلام الجديد، لم يكن ليحدث أثره في مجتمعنا لولا إيمان القيادة بضرورة التعامل مع معطيات العصر واستخدامها بشكل وظيفي تنعكس آثاره على مسيرة نهضتنا.

فضربت المثل والنموذج للدرجة التي أوضحت فيها التقارير الدولية أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من أكثر القادة عالميا استخداما لوسائل التواصل الاجتماعي مع الشعب، كما تم استخدامها بفاعلية عند طرح سموه لمبادرات تعليمية واجتماعية شارك فيها كل أفراد الشعب، وهو نمط جديد استوقف الأكاديميين والسياسيين وحاولوا محاكاته. ك

ما أكد سموه غير مرة على أهمية نشر الوعي الثقافي بهذه الشبكات، ودورها الحضاري والإنساني في بناء جسور التواصل بين الناس، وبينهم وبين المسؤولين في شتى القطاعات، وهو ما انعكس على نهج التعامل مع هذه الوسائل في كافة المؤسسات والدوائر الرسمية، وفي مقدمتها وسائل الإعلام الرسمية بكافة أشكالها.

ولا توجد دراسة علمية تؤكد قطعيا أن وسائل الإعلام الجديدة تنتقص من غيرها من وسائل الإعلام، وخاصة الصحافة المطبوعة، بل أذهب أبعد من ذلك إلى أن هناك أمثلة كثيرة في عالمنا العربي تحولت فيها الصحف الإلكترونية إلى صحف ورقية بعد أن لاقت إقبالا، فأراد القائمون عليها الاستفادة مما حققته من نجاحات.. وهذا يؤكد أن العلاقة بين الإعلام الجديد والإعلام التقليدي، هي علاقة تكامل لا تنافس.