قدمت إنجلترا وفرنسا واحدة من أكثر المباريات متعة وإثارة وجنونًا في تاريخ كأس العالم، بعدما حسم المنتخب الإنجليزي المركز الثالث بفوز مثير 6-4، في لقاء أصبح الأكثر تهديفًا في المونديال منذ انتصار المجر على السلفادور 10-1 عام 1982، والأعلى تسجيلًا للأهداف في تاريخ مواجهات تحديد المركز الثالث.
لكن ما الذي جعل المواجهة، التي تُعد من أكثر المباريات حزنًا وإحباطًا في كرة القدم، تتحول إلى واحدة من المباريات التي ستُخلد في سجلات كأس العالم عبر تاريخه، بعدما كسرت كل القواعد، ولم تبقَ مباراة غير مرغوبة، بل تحولت إلى مواجهة لكسر الأرقام القياسية، وتحفة لن ينساها عشاق الساحرة المستديرة؟
ويُعد التفوق الإنجليزي الكاسح في الشوط الأول أحد أبرز الأسباب التي ربما استفزت فرنسا بعد ذلك، فقد فرضت إنجلترا إيقاعها منذ البداية بضغط عالٍ وانتقالات هجومية خاطفة، استغلت بها المساحات الواسعة خلف دفاع فرنسا، بينما افتقد المنتخب الفرنسي التماسك والانضباط في الشوط الأول.
ونجح رجال توماس توخيل في تحويل كل هجمة تقريبًا إلى فرصة حقيقية، مستفيدين من سرعة بوكايو ساكا، وحيوية ديكلان رايس، وقدرة إيبيريتشي إيزي وماركوس راشفورد على ربط الخطوط، وسط لامبالاة من لاعبي فرنسا، الذين بدوا كالأشباح، في واحد من أسوأ الأشواط الكارثية في تاريخ المنتخب الفرنسي.
وأظهرت المباراة جانبًا مختلفًا من المنتخب الإنجليزي، الذي تعرض لانتقادات واسعة عقب خروجه أمام الأرجنتين في نصف النهائي بسبب تحفظه الدفاعي، فجاء الرد بأداء هجومي مفتوح منح الحرية للأطراف ولاعبي الوسط للتقدم المستمر، وهو ما جعل إنجلترا تبدو أكثر جرأة وإبداعًا، لكنها في المقابل دفعت ثمن ذلك باستقبال 4 أهداف في الشوط الثاني.
وأكدت التغييرات التي أجراها ديدييه ديشامب بين الشوطين أن المنتخب الفرنسي امتلك من الجودة ما يكفي لقلب الموازين، بعدما تحولت السيطرة إلى «الديوك» بفضل ارتفاع الإيقاع، والضغط المبكر، واستعادة كيليان مبابي وديمبيلي وباركولا فاعليتهم الهجومية، لتصبح إنجلترا في موقف دفاعي صعب بعدما فقدت السيطرة.
وجسدت المواجهة قيمة النجوم الكبار في اللحظات الحاسمة، إذ واصل مبابي كتابة التاريخ، بينما قدم بوكايو ساكا أفضل مباراة في مسيرته الدولية، بتسجيله ثلاثية تاريخية، قبل أن يختتم جود بيلينغهام مهرجان الأهداف بهدف أكد نضجه وقدرته على صناعة الفارق.
وعكست المباراة أيضًا الفلسفة الهجومية للمنتخبين، إذ تخليا عن الإحباط في مباراة تحديد المركز الثالث، وفضلا الهجوم المتبادل على التحفظ الدفاعي، لينتج عن ذلك 10 أهداف وعشرات الفرص، في مواجهة لُعبت بإيقاع أقرب إلى مباريات الثأر ورد الاعتبار.
واختتمت إنجلترا البطولة بأفضل نتيجة لها منذ تتويجها باللقب عام 1966، محققة أول مركز ثالث في تاريخها، بينما ودع ديدييه ديشامب تدريب فرنسا بعد مسيرة حافلة انتهت بخسارة مثيرة لم تعكس فقط تقلبات المباراة، بل جسدت أيضًا الفوارق الدقيقة بين الانضباط التكتيكي والاندفاع الهجومي، في لقاء سيبقى مرجعًا لكل من يبحث عن المتعة الكروية الخالصة في كأس العالم.
