من «ساندويتش كباب» إلى الذكاء الاصطناعي.. قصة لقب «الدكتاتور» الذي يلاحق مبابي


قبل أن يسدل الستار على كأس العالم الأكبر في التاريخ، وقبل أن يخوض منتخب فرنسا آخر مبارياته بالمواجهة الحزينة أمام إنجلترا في لقاء المركز الثالث، برز النجم كيليان مبابي أحد نجوم البطولة، ليس بفضل أهدافه وأرقامه الاستثنائية وحسب، بل لأنه كان أيضاً بطلاً لأغرب ظاهرة اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي خلال المونديال، وهي وصف مبابي بـ«الدكتاتور».


وتحول الأمر خلال أيام المونديال إلى ظاهرة ساخرة، تعزز من الصورة المرسومة عن النجم الفرنسي، وذلك بحسب تقرير صحيفة «ذا أثلتيك»، فما قصة إطلاق لقب الدكتاتور على مبابي، وهل حقيقة اللاعب بالفعل أنه صاحب نفوذ وسلطة على زملائه اللاعبين والمدربين تصل إلى درجة وصفه بـ«الدكتاتور».


بدأت الظاهرة بفيديوهات مصنوعة بالذكاء الاصطناعي تظهر مبابي بزي جنرال عسكري، أو جالساً على عرش وسط الملعب، أو يوبخ زملاءه ومدربه، بل ويظهر أحياناً إلى جانب شخصيات تاريخية اشتهرت بالاستبداد، ورغم أن معظم هذه الفيديوهات خيالية ومولدة بالذكاء الاصطناعي بالكامل فإنها انتشرت على نطاق واسع حتى أصبحت واحدة من أبرز ملامح البطولة خارج المستطيل الأخضر.


المفارقة أن بعض المقاطع استندت إلى مواقف حقيقية، مثل توجيه مبابي لعمال الملعب أثناء إزالة مياه الأمطار، أو مطالبته الحكم بتسليم شارة القيادة إلى أحد زملائه عند استبداله، وهي تصرفات طبيعية لقائد منتخب، لكنها استخدمت لإضفاء مزيد من «الواقعية» على صورة الدكتاتور الساخرة.


ولم تبقَ الظاهرة حبيسة الإنترنت، إذ انتشرت ملصقات ودبابيس تحمل صورة الدكتاتور مبابي في شوارع نيويورك، بينما ظهر أحد مشجعي باراغواي خلال كأس العالم مرتدياً قميصاً يجسد النجم الفرنسي بهذه الشخصية، في دليل على تحول المزحة إلى ثقافة جماهيرية عابرة للحدود، حتى مدرب فرنسا ديدييه ديشامب اضطر للتعليق على الأمر، مؤكداً أن كثيرين يعتقدون خطأ أن مبابي شخص متسلط لا يفكر إلا بنفسه، بينما الحقيقة أنه قائد مثالي داخل المنتخب، ويتحمل مسؤولياته باحترافية كبيرة، سواء داخل الملعب أو خارجه، لكن جذور القصة تعود إلى عام 2024 حين دخل مبابي في نزاع قانوني مع صاحب مطعم كباب في مدينة مارسيليا، يدعى محمد هني، بعدما استخدم الأخير اسم اللاعب في وصف إحدى الوجبات، مشبهاً استدارة الخبز باستدارة رأس مبابي، وبعد تلقيه إنذاراً قانونياً من محامية اللاعب وصف صاحب المطعم ما حدث قائلاً: إن «مبابي حول اسمه إلى دكتاتورية»، وهي العبارة التي أشعلت شرارة اللقب على مواقع التواصل.
وجاءت الواقعة في توقيت كان مبابي يتعرض فيه لانتقادات متزايدة خلال فترته مع باريس سان جيرمان، وسط اتهامات بأنه يمتلك نفوذاً استثنائياً داخل النادي، يتعلق بالتعاقدات ورحيل اللاعبين وحتى بعض القرارات الفنية، ما جعل لقب «الدكتاتور» يجد أرضاً خصبة للانتشار، رغم عدم وجود أدلة تثبت معظم تلك الروايات.


ومع انتقاله إلى ريال مدريد استمرت القصص المثيرة حول نفوذه داخل غرفة الملابس، إذ انتشرت مزاعم عن خلافاته مع بعض النجوم وتأثيره على قرارات النادي، بينما كانت كل إشارة غضب أو اعتراض داخل المباريات تتحول سريعاً إلى مادة ساخرة، تعزز الصورة، التي رسمتها منصات التواصل.


وفي خضم هذه الأجواء زاد صانع المحتوى الإسباني خوسيه ماريا مارتين رويز من انتشار الظاهرة بعدما أطلق أغنية ساخرة بعنوان «كيليان مبابي دكتاتور» تتخيل مبابي وهو يعلن نفسه الحاكم الوحيد لغرفة ملابس ريال مدريد، وحققت الأغنية انتشاراً واسعاً بالملايين، قبل أن تصبح الموسيقى المرافقة لمعظم المقاطع الساخرة المنتشرة عبر الإنترنت.


ورغم النجاح الهائل للأغنية أكد صاحبها أنها لا تعكس قناعته الشخصية، موضحاً أن الفكرة تقوم على تضخيم الصورة المتداولة عن مبابي إلى حد العبث، وأنها لا تستهدف اللاعب بقدر ما تسخر من الروايات التي تصفه بأنه صاحب النفوذ المطلق داخل الفرق التي يمثلها.


أما داخل منتخب فرنسا فتبدو الصورة مختلفة تماماً، فمنذ ارتدائه شارة القيادة أصبح مبابي المفاوض الأول مع الاتحاد الفرنسي بشأن المكافآت وحقوق اللاعبين وتنظيم شؤون المعسكرات، كما يتولى مخاطبة المسؤولين والمدرب نيابة عن المجموعة، وهو ما عزز مكانته قائداً فعلياً للفريق.


وتؤكد مصادر مقربة من المنتخب بحسب «ذا أثلتيك» أن مبابي يستخدم نفوذه لخدمة المجموعة وليس لتحقيق مكاسب شخصية، إذ يتحدث باسم اللاعبين ويقودهم داخل الملعب وخارجه، بينما يصفه زملاؤه بأنه قائد يتحمل المسؤولية، ويمنح الفريق دفعة معنوية كبيرة، بعيداً عن الصورة الساخرة المنتشرة عبر الإنترنت.


اللافت أن زملاءه لم يقاوموا إغراء المزاح، بعدما أصبحت فيديوهات «الدكتاتور مبابي» مادة يومية، يتبادلها اللاعبون فيما بينهم، وهو ما يؤكد أن صاحب القصة نفسه يتعامل مع اللقب بروح مرحة.


وبينما يواصل مبابي كتابة أرقامه القياسية مع منتخب فرنسا يبدو أن لقب «الدكتاتور» سيبقى جزءاً من الثقافة الرقمية المحيطة به، لا لأنه يعكس حقيقة شخصيته، بل لأنه أصبح واحداً من أنجح القصص الكروية في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تتحول المبالغة الساخرة أحياناً إلى رواية أكثر انتشاراً من الواقع نفسه.