عندما نشاهد أشخاصاً يرقصون ويغنون فرحاً بالفوز بعد مباراة، لا نلقِ بالاً - ولو من دون قصد - إلى أشخاص غارقين في البكاء والحزن بسبب الخسارة. وإذا كان هذا يحدث في كل مباراة، فإن ثمة أحداثاً بارزة تترك ندوباً ودموعاً على جدار الذاكرة.لذلك فإن القصص الأكثر تراجيدية في كأس العالم تملك بعداً إنسانياً يتجاوز الدموع العابرة بعد إطلاق الصافرة، وربما تفوق في دراماتيكيتها بهجة الانتصار. يحدث هذا حين ينكسر الكبرياء الكروي وتصدم أمة بأكملها بحدث يخالف التوقّعات ويحول الآمال إلى آلام.هي محطات وانتقالات.
من التراجيديا الجماعية (البرازيل 1950 و2014) إلى التراجيديا الفردية (باجيو وزيدان ورونالدو)، والتراجيديا الكلاسيكية (المجر 1954)، حيث يبرز وجه آخر للمونديال.. وجه لا يبتسم، بل يحمل ندوباً لا تمحوها السنوات. صدمة الماراكانافي 16 يوليو عام 1950، لم تكن البرازيل تستعد لخوض مباراة كرة قدم، بل كانت تتأهب لإعلان تفوقها الكروي على العالم.
كان يكفي «السيليساو» التعادل أمام الأوروغواي لرفع كأس العالم لأول مرة في تاريخه، على أرضه، وداخل معبده الخرساني الجديد، ملعب «الماراكانا»، الذي شُيّد ليكون شاهداً على المجد، وليتسع لـ 200 ألف شخص. الثقة البرازيلية بلغت مداها الأقصى؛ فالصحف المحلية صدرت صباح ذلك اليوم بطبعات تحمل صور اللاعبين مذيلة بعبارة «هؤلاء أبطال العالم»، وعمدة ريو دي جانيرو ألقى خطبة قبل الصافرة أعلن فيها المكافآت، فيما كانت مئات الآلاف من القمصان الاحتفالية قد طُبعت بالفعل، وصُنعت ميداليات ذهبية نُقشت عليها أسماء نجوم البرازيل.
مئتا ألف متفرج داخل الملعب، وخلفهم ملايين عبر الراديو، ركنوا لسيناريو فرح غير مشكوك فيه، خاصة عندما تقدمت البرازيل بهدف «فرياكا» في بداية الشوط الثاني. لكن «الماراكانا» كان يخبئ فصلاً مرعباً؛ إذ تعادلت الأوروغواي عبر سشيافينو، قبل أن يرتكب الحارس باربوسا هفوته القاتلة في الدقيقة 79، تاركاً زاوية ضيقة سجل منها أليسيدس غيغيا الهدف الثاني.. هدف أبكى كل البرازيل.مع تلك الصافرة التراجيدية ساد صمت جنائزي رهيب على الماراكانا. سقط المشجعون في المدرجات صرعى بنوبات قلبية وحالات انتحار.
وتحولت شوارع ريو دي جانيرو التي كانت تستعد للكرنفال إلى مأتم مفتوح. أُغلقت المطاعم، وحطّم الناس أجهزة الراديو، وبكى الكبار كالأطفال. صدمة المينيرازو إذا كانت «الماراكانازو» تراجيدياً جيل الخمسينيات، فإن ما حدث في بيلو هوريزونتي في نصف نهائي مونديال 2014، امتداد معاصر لتلك الفاجعة.
دخلت البرازيل البطولة على أرضها بآمال عريضة لغسل عار عام 1950، لكن السقوط المدوي أمام ألمانيا بنتيجة (7-1) تحوّل إلى أعمق تراجيديا كروية في العصر الحديث. لم تكن تلك الخسارة مجرد خروج من البطولة، بل كانت انهياراً نفسياً جماعياً لبلد يعيش ويتنفس كرة القدم، وبدت دموع الصغار والكبار في المدرجات واللاعبين في المستطيل الأخضر كأنها تكرار مأساوي لمشهدية 1950، حيث استيقظ الشعب البرازيلي على حقيقة أن كابوس الاستضافة قد تكرر بصورة أشد قسوة.انكسار المجر في مونديال 1954 دخل المنتخب المجري المعروف بـ «الماجيكاريين» البطولة، باعتباره الفريق الذي لا يُقهر، حيث فرض هيمنته على كرة القدم العالمية لسنوات وسحق ألمانيا الغربية في دور المجموعات بنتيجة (8-3).
سار ذلك المنتخب بخطى واثقة نحو النهائي، وتقدم في المباراة النهائية بهدفين نظيفين في أول ثماني دقائق، وبدا أن الكأس مضمونة لجيل بوشكاش وكوتشيش. لكن، حدث ما عُرف لاحقاً بـ «معجزة بيرن»، حيث قلبت ألمانيا الطاولة وفازت (3-2). لم تكن تلك النتيجة مجرد مفاجأة كروية، بل كانت تراجيديا حقيقية أنهت حقبة جيل تاريخي اعتُبر الأفضل في القرن العشرين من دون أن يتوج بالذهب، وتسببت الخسارة في هزات سياسية واجتماعية داخل المجر التي كانت تعيش في ظل الحكم الشيوعي آنذاك.مأساة باجيو تتجلى التراجيديا أحياناً في قدم لاعب واحد.
كذلك كان الإيطالي روبرتو باجيو الذي قاد منتخب بلاده بعبقرية لافتة طوال أدوار مونديال أمريكا 1994، حاملاً على عاتقه آمال الإيطاليين من دور الستة عشر حتى النهائي أمام البرازيل.
وفي لحظة دراماتيكية حابسة للأنفاس، وقف باجيو لتسديد ركلة الترجيح الحاسمة، ليطيح بالكرة في سماء لوس أنجلوس ويطيح معها بحلم إيطاليا باللقب. وأصبحت الصورة الشهيرة لباجيو وهو واقف مطأطأ الرأس، مطوقاً بذراعيه خيبته بينما يحتفل البرازيليون خلفه، الأيقونة البصرية الأبرز للتراجيديا الفردية في تاريخ المونديال؛ إذ إن الرجل الذي صنع كل شيء صُنف في النهاية سبباً للخسارة.ليلة رونالدو في الثاني عشر من يوليو 1998، كان العالم يترقب ليلة تاريخية للظاهرة البرازيلية رونالدو في نهائي مونديال فرنسا، لكن خلف جدران فندق الإقامة بباريس، كانت هناك تراجيديا تُكتب في الظلام.
فتح روبرتو كارلوس باب الغرفة ليجد زميله متشنجاً والزبد يخرج من فمه؛ وقيل عن حالة بلع لسان خطيرة. تداخلت الروايات بين صدمة عاطفية قاسية وحرب نفسية شرسة وأيادٍ خفية عبثت بالكواليس. صحيح أن رونالدو نجا بجسده، لكنه دخل الملعب بعقل لاعب ترك روحه في تلك «الغرفة اللعينة». فكّر المدرب في عدم إشراكه، لكن «حقوق الرعاية» حالت دون ذلك، حسب تقارير إعلامية في حينه.
شارك «الظاهرة» ولم يلعب، بل ظهر ضائعاً على أرضية الملعب، وخسرت البرازيل اللقب لصالح رفاق زيدان.. وفي غياب أي تفسير رسمي واضح، بقي «السر» يطارد عشاق اللعبة والظاهرة والبرازيل إلى يومنا هذا. النطحة والوداع تأخذ التراجيديا أحياناً طابع البطل الذي يصنع نهايته بيده في لحظة غضب.
في مونديال 2006، صنع زين الدين زيدان «تراجيدته» برأسه، بعد أن قاد بقدميه فرنسا إلى النهائي أمام إيطاليا، وكانت المباراة هي المشهد الأخير في مسيرته الاحترافية الأسطورية. سجل زيزو هدفاً، وبدا أن القدر يكتب له نهاية خيالية، حتى جاءت الدقيقة 110 من الشوط الإضافي الثاني؛ رسم واحدة من اللوحات التاريخية في عالم المونديال، تلك التي عرفت بـ «نطحة زيدان». في لحظة غضب - رآها كثيرون مبررة، نطح زيزو اللاعب الإيطالي ماتيراتزي فأسقطه أرضاً قبل أن يشهر حكم المباراة البطاقة الحمراء مباشرة.
اللقطة التراجيدية لزيدان وهو يسير مطأطأ الرأس بجوار الكأس الذهبية متجهاً إلى غرف الملابس، تاركاً فريقه يواجه ركلات الترجيح من دونه، تلخص كيف يمكن للاستفزاز الإنساني أن يحوّل لحظة المجد الأبدي إلى لقمة وداع مغمّسة بالحسرة والانكسار.




