لم تحمل النرويج إلى كأس العالم (World Cup) لاعبيها فقط. حملت معها سمكًا، وجبنًا، وبرتقالًا، وطهاة يعرفون شهية الفريق كما يعرف المدرب خطوط الملعب. وعلى مواقع التواصل، بدت القصة جاهزة للسخرية.. منتخب أوروبي يأتي إلى الولايات المتحدة ومعه طعامه لأنه “لا يثق بالأكل الأمريكي”. لكن خلف النكتة قصة أخرى أكثر جدية.. في عصر المونديال لا يعد الطعام مسألة ذوق وحسب، بل جزء من إدارة الأداء.
بحسب تقارير رياضية، نقل المنتخب النرويجي إلى معسكره في غرينسبورو بولاية نورث كارولاينا أكثر من ألف كيلوغرام من الطعام، بينها نحو 300 كيلوغرام من سمك السلمون والسمك الأبيض، و116 كيلوغرامًا من جبن «برونوست» النرويجي التقليدي، إلى جانب نحو 6000 برتقالة. ومع الفريق، سافر طهاة يتولون إعداد الوجبات اليومية للاعبين والجهاز الفني، في محاولة للحفاظ على الروتين الغذائي نفسه الذي اعتاد عليه اللاعبون في معسكراتهم.
الرقم طريف في ظاهره، لكنه ليس عبثيًا. فالمنتخب العائد إلى المونديال بعد غياب طويل منذ 1998 لا يريد أن يترك التفاصيل الصغيرة للمصادفة. في بطولة تمتد أسابيع، وتتنقل بين مدن وملاعب ومناخات مختلفة، قد يصبح اضطراب المعدة أو النوم أو الهضم تفصيلًا قادرًا على التأثير في مباراة كاملة. لذلك، اختارت النرويج أن تقلل المتغيرات: طعام مألوف، وجبات محسوبة، ومذاق يربط اللاعب بروتينه اليومي ولو كان على بعد آلاف الكيلومترات من بيته.
هنا تتحول الوجبة إلى جزء من الخطة. كما يدرس المدرب الخصم، يدرس الجهاز الغذائي جسد اللاعب. ماذا يأكل قبل المباراة؟ ماذا يحتاج بعد التدريب؟ كيف يتعافى؟ كيف ينام؟ وكيف يبقى ذهنه هادئًا في بطولة تضغط الأعصاب قبل العضلات؟ لم تعد كرة القدم تُلعب بالقدمين وحدهما.. بل تُلعب بالمعدة، والنوم، والسفر، والطقس، والذاكرة الصغيرة لطعم يعرفه اللاعب منذ طفولته.
جبن «برونوست»، مثلًا، ليس مجرد جبن. هو طعم نرويجي يومي، حلو ومائل إلى الكراميل، يؤكل غالبًا مع الخبز أو الوافل. والسمك، خصوصًا السلمون، ليس رفاهية بحرية، بل عنصر مألوف في النظام الغذائي النرويجي. أما البرتقال، فيبدو كأنه أبسط الأشياء، لكنه في سياق المنتخب يتحول إلى جزء من طقس يومي: عصير، فيتامينات، ترطيب، وربما شيء من الإحساس بأن العالم ما زال منظمًا وسط فوضى البطولة.
وهذا يشرح لماذا أصبحت التغذية في الرياضة الحديثة علمًا لا خدمة فندقية. المنتخب الذي يملك إيرلينغ هالاند ومارتن أوديغارد لا يبحث فقط عن تمريرة جيدة أو تسديدة قوية، بل يبحث عن جسد لا يخذله في الدقيقة الثمانين. كل وجبة محسوبة، وكل تغيير في الروتين قد يترك أثرًا.
لغير محترفي الرياضة تبدو ألف كيلوغرام من الطعام مبالغة، ولكن لأصحاب اللعبة والاحتراف رأي آخر، فكل منتخب يحاول أن يحمي لاعبيه من المجهول بطريقته، فبعضهم يجلب أطباء إضافيين، وبعضهم محللي بيانات، وبعضهم أجهزة نوم، والنرويج جلبت مطبخها. وفي زمن المونديال الذي تُحسب فيه المسافات بالخطوات، والسرعة بالأمتار في الثانية، ونبض اللاعب بعد كل تدريب، لم يعد غريبًا أن تُحسب الطمأنينة بالكيلوغرام.
