في تاريخ المونديال.. لاعبون هزوا شباك بلدانهم الأم

ياسين العياري
ياسين العياري

ياسين العياري لاعب سويدي من أصل تونسي سجل هدفين من أصل خمسة أهداف في شباك منتخب بلده الأصلي خلال مباراة المنتخبين في افتتاح كأس العالم 2026، والتي انتهت بفوز المنتخب السويدي بنتيجة 5-1، وامتنع العياري عن الاحتفال بهدفه الأول احتراماً لمشاعر عائلته ووطنه الأم تونس.

هذه الحالة ليست جديدة في عالم الرياضة عموماً، لكن بما أننا نشهد هذه الأيام أحداث المونديال، فإننا سنلقي الضوء على مثل هذه الحالات في تاريخ كأس العالم، حيث تحمل مواجهة اللاعبين لبلدانهم الأصلية أبعاداً درامية وشاعرية مثيرة، لعل أبرزها الامتناع عن الاحتفال احتراماً للجذور، وهو ما تكرر في محطات مونديالية بارزة.

لقد شهد كأس العالم تاريخياً حالات عدة للاعبين واجهوا بلدانهم الأصلية، بل وسجلوا في شباكها، وتنوعت هذه الحالات بين لاعبين وُلدوا في بلد المنشأ ثم هاجروا، أو لاعبين من الجيل الثاني للمهاجرين وُلدوا في بلد المهجر ونشأوا فيه.

لويس مونتي

هذه الحالة هي الأكثر غرابة، حيث إن اللاعب ولد في الأرجنتين ولعب لها نهائي مونديال 1930. لكن تم تجنيسه ولعب مع منتخب إيطاليا في مونديال 1934، حيث لم تكن القوانين تمنع ذلك في حينه.

مونتي واجه منتخب مسقط رأسه الأرجنتين في دور المجموعات (انتهت 1-1)، ليصبح اللاعب الوحيد في التاريخ الذي لعب نهائي كأس العالم لبلدين مختلفين.

لوكاس بودولسكي وميروسلاف كلوزه

شهدت بطولة كأس العالم 2006 في ألمانيا مواجهة خاصة في دور المجموعات بين أصحاب الأرض والمنتخب البولندي. قاد هجوم الماكينات الألمانية الثنائي من أصول بولندية، ميروسلاف كلوزه (المولود في بولندا) ولوكاس بودولسكي (المولود أيضاً في بولندا والذي هاجر مع أسرته وهو طفل). في تلك المواجهة فازت ألمانيا 1-0.

ولم يسجل بودولسكي في تلك المباراة المونديالية بالتحديد (لكنه سجل لاحقاً ضد بولندا في كأس الأمم الأوروبية 2008 ورفض الاحتفال)، لكن مشاركة هذا الثنائي ضد بلد المولد تحت راية المانشافت كانت تجسيداً حياً لقصص الهجرة والاندماج الرياضي في المونديال.

ماريو غوميز

المهاجم الألماني ينحدر من أصول إسبانية؛ إذ إن والده إسباني من إقليم الأندلس ووالدته ألمانية، وهو يحمل الجنسية الإسبانية بالإضافة للألمانية. في نصف نهائي مونديال جنوب إفريقيا 2010، تقابلت ألمانيا مع إسبانيا. شارك غوميز في الشوط الثاني من تلك المباراة التاريخية كبديل، في محاولة لتعديل النتيجة ضد بلد أبيه وعائلته الإسبانية، وانتهت المواجهة بفوز الإسبان 1-0.

جوزيف ألتيدور

مهاجم أمريكي شهير ولد لأبوين مهاجرين من هايتي. واجه بلد والديه هايتي في بطولة الكأس الذهبية والمباريات الرسمية المؤهلة لمونديال 2010، وكانت مواجهات عاطفية جداً لعائلته.

كيفين برينس بواتينغ

لدينا حالة متعاكسة فريدة، فالأخوان بواتينغ (كيفين وجيروم) ولدا في ألمانيا لأب غاني. جيروم اختار تمثيل ألمانيا، وكيفين اختار غانا (وطنه الأصلي).

تقابل الأخوة وجهاً لوجه في دور المجموعات بمونديال 2010، حيث فازت ألمانيا 1-0، وتكررت المواجهة في مونديال 2014 وكانت النتيجة التعادل 2-2.

ولم يقتصر الانقسام على الأخوين بواتينغ بل انتقل إلى أفراد عائلتهما الذين انقسموا بين مشجع لألمانيا وآخر لغانا.

تشير دان شاكيري وغرانيت تشاكا

السويسريان غرانيت تشاكا وتشيردان شاكيري ينحدران من أصول ألبانية من إقليم كوسوفو، الذي كان جزءاً من الاتحاد اليوغوسلافي. واجه اللاعبان منتخب صربيا في نسختين متتاليتين من كأس العالم (روسيا 2018 وقطر 2022).

في مباراة 2018، نجح كلاهما في التسجيل لتقلب سويسرا تأخرها إلى فوز، واحتفلا بطريقة مثيرة للجدل عبر تشكيل شعار «النسر المزدوج» بالأيدي، وهو رمز العلم الألباني، ما عكس بوضوح كيف تتدفق الجذور العائلية والسياسية إلى أرض الملعب حتى وإن كان اللاعب يرتدي قميصاً أوروبياً آخر.

بريل إمبولو

تعتبر هذه الحالة الأقرب شبهاً من حيث الخصوصية؛ فاللاعب بريل إمبولو وُلد في العاصمة الكاميرونية ياوندي، وعاش هناك حتى سن الخامسة قبل أن ينتقل مع والدته إلى فرنسا ثم يستقر في سويسرا ويحصل على جنسيتها.

في دور المجموعات بمونديال قطر 2022، وضعت القرعة سويسرا في مواجهة الكاميرون. نجح إمبولو في تسجيل هدف الفوز الوحيد لصالح سويسرا، ودخل التاريخ كأول لاعب في نهائيات كأس العالم يسجل هدفاً في مرمى البلد الذي وُلد فيه. ولم يفت إمبولو حينها أن يرفع يديه اعتذاراً رافضاً الاحتفال بالهدف، في لقطة نالت احترام المتابعين نظراً لأن والده والعديد من أفراد عائلته كانوا لا يزالون يعيشون في الكاميرون.

عادل رامي

مدافع فرنسي من أصول مغربية واجه المغرب في نصف نهائي مونديال 2022 (فرنسا ضد المغرب).

تكررت مواجهة لاعبين فرنسيي المولد ضد المغرب والعكس.

تمثيل البلد الأم

في الجانب المقابل، نجد لاعبين يملكون جنسيات مزدوجة واختاروا تمثيل بلدهم الأصلي ضد بلد المولد أو النشأة. ففي مونديال 2022 في قطر، واجه المهاجم التونسي عيسى جبالي منتخب أستراليا في دور المجموعات. جبالي مثل نسور قرطاج رغم أنه عاش وتألق لسنوات طويلة في الملاعب الإسكندنافية وعاصر كرة القدم الغربية، ليمثل بلده الأم في مواجهة تحديات المونديال ضد منتخبات عالمية.

وفي المونديال نفسه، مثل حكيم زياش وسفيان بوفال ونصير مزراوي وطنهم الأم المغرب ضد هولندا وبلجيكا وفرنسا.

النجوم الثلاثة وُلدوا ونشأوا في هولندا أو بلجيكا.

شارك الثلاثة ضد بلجيكا في دور المجموعات وساهموا في تحقيق فوز تاريخي على الشياطين الحمر، ولعبوا ضد فرنسا في نصف النهائي، في مباراة دراماتيكية حبست الأنفاس.

تشير هذه النماذج المونديالية إلى أن ظاهرة عياري والعديد من المواهب ذات الأصول المهاجرة تعيد باستمرار رسم الخارطة الديموغرافية لكرة القدم العالمية، حيث تصبح المباريات الدولية مسرحاً لمشاعر إنسانية متناقضة تلخصها دائماً لحظة تسجيل الهدف والصمت الذي يليه.