لم يعد نيمار يبيع مهارته داخل الملعب فقط. في مونديال 2026، يتحول النجم البرازيلي إلى شخصية رقمية داخل دراما مصغرة مصنوعة بمساعدة الذكاء الاصطناعي. فبحسب موقع "تودو تي في نيوز"، أعلنت منصة "فلير فلو" عن شراكة مع نيمار لإنتاج سلسلة من 16 عملاً درامياً قصيراً، تعتمد على ترخيص صورته الرقمية، وتجمع بين التصوير الحي وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
الفكرة تبدو غريبة للوهلة الأولى: نجم كرة قدم يظهر في قصص قصيرة، عمودية، مصممة للهاتف، لا للشاشة الكبيرة. لكنه ليس مجرد إعلان عابر. المشروع يحاول تحويل نيمار إلى "ملكية فكرية" قابلة للتكرار: لاعب، بطل، شخصية خيالية، ونسخة رقمية يمكن أن تظهر في أكثر من حكاية، بأكثر من مزاج، وبسرعة إنتاج أعلى من الدراما التقليدية.
16 عنوان
المشروع لا يضم "حلقة" واحدة، بل 16 عنواناً أو عملاً قصيراً. ووفقاً لتقارير متخصصة، تبدأ فلير فلو" بطرح أول ستة أعمال بين 19 و22 يونيو، على أن تُطلق بقية العناوين خلال موسم كأس العالم. ومن بين العناوين الأولى: "الطريق إلى المجد من جديد"، و"نجم كرة يُختطف إلى كأس المجرة: سجّل أو مت!"، في مزيج واضح بين كرة القدم، والخيال العلمي، والفانتازيا، وحكايات السقوط والعودة.
هذه ليست دراما رياضية بالمعنى التقليدي. ليست فيلماً عن مسيرة نيمار، ولا وثائقياً عن حياته. إنها قصص خيالية تستخدم صورته ونجوميته لتصنع عالماً سريعاً، مكثفاً، ومصمماً لكي يُشاهد على شاشة الهاتف، غالباً في دقائق قليلة، وبإيقاع لا يمنح المشاهد وقتاً طويلاً للتفكير قبل أن ينتقل إلى الحلقة التالية.
دراما عمودية
ما يسمى بـ"الميكرو دراما" أو الدراما المصغرة هو شكل جديد من الترفيه: حلقات قصيرة جداً، غالباً من دقيقة إلى ثلاث دقائق، تُصوَّر عمودياً لتناسب الهاتف، وتقوم على حبكات سريعة، صدمات متلاحقة، وخطافات درامية في نهاية كل مقطع. إنها ابنة تيك توك من جهة، وابنة المسلسلات الميلودرامية من جهة أخرى.
الاختلاف هنا أن الذكاء الاصطناعي يدخل غرفة الإنتاج. لا يعني ذلك أن كل شيء مصنوع آلياً، بل أن المنصة تستخدم أدوات ذكاء اصطناعي لمساعدة الإنتاج: تسريع الكتابة، بناء المشاهد، المؤثرات، الترجمة، الدبلجة، وربما تعديل صورة نيمار الرقمية داخل سياقات متعددة. بمعنى آخر، الدراما لم تعد تنتظر جدول النجم الحقيقي، بل تبني نسخة رقمية منه تتحرك داخل القصص.
مال سريع
المال هو السبب الحقيقي خلف هذه التجربة. سوق الدراما المصغرة لم يعد هامشياً. فبحسب «أومديا»، وصلت إيرادات الميكرو دراما عالمياً إلى 11 مليار دولار في 2025، مع هيمنة واضحة للصين على الحصة الأكبر من هذا السوق. وتشير «سنسور تاور» إلى أن إيرادات تطبيقات الدراما القصيرة داخل التطبيقات بلغت نحو 700 مليون دولار في الربع الأول من 2025 وحده، أي ما يقارب أربعة أضعاف الفترة نفسها من العام السابق.
أما في الولايات المتحدة، فقد تحولت هذه الدراما الصغيرة إلى تجارة كبيرة. وتقدّر تقارير متخصصة أن السوق الأمريكي وحده وصل إلى نحو 1.3 مليار دولار، فيما يتوقع أن تحقق تطبيقات الدراما المصغرة عالمياً، خارج الصين، نحو 3 مليارات دولار في 2025. هذا يفسر لماذا تدخل منصات مثل "فلير فلو" على خط النجوم الرياضيين: الجمهور موجود، الهاتف جاهز، والدفع داخل التطبيق صار نموذجاً مربحاً.
نيمار كمنصة
اختيار نيمار ليس تفصيلاً. اللاعب يملك أكثر من 220 مليون متابع عبر منصات التواصل، وفق تقارير عن الشراكة، وهذا يعني أن صورته ليست مجرد اسم رياضي، بل قناة توزيع عالمية. بالنسبة إلى "فلير فلو"، نيمار ليس ممثلاً فقط؛ هو مدخل إلى جمهور جديد، خصوصاً الجمهور الذكوري ومشجعي كرة القدم، في سوق كانت كثير من أعماله تعتمد تقليدياً على الرومانسية والميلودراما الموجهة للنساء.
وهنا يتحول اللاعب إلى منصة داخل المنصة. الجمهور لا يأتي فقط لمشاهدة قصة، بل لمشاهدة "نيمار آخر": نسخة تخوض مغامرات خيالية، تسقط وتعود، تُختطف إلى بطولات مجرية، أو تبحث عن الخلاص في حبكة مبالغ فيها. إنها كرة القدم حين تخرج من الملعب وتدخل اقتصاد الشخصيات الرقمية.
حقوق الصورة
لكن وراء البريق سؤال حساس: ماذا يعني أن يرخص نجم صورته الرقمية؟ في الماضي، كان اللاعب يبيع إعلانه أو يظهر في حملة تجارية. اليوم، يمكن لصورته أن تصبح مادة قابلة للتوليد، والتحريك، والتكرار. هذا يفتح باباً واسعاً أمام مستقبل جديد لحقوق النجوم، حيث لا يعود حضورهم مرتبطاً بالجسد الحقيقي، بل بالوجه والصوت والملامح والاسم.
بالنسبة للنجوم، قد يكون ذلك مصدر دخل إضافي ضخم. وبالنسبة للمنصات، هو طريقة لاختصار المسافة بين الرياضة والدراما والتسويق. لكن بالنسبة للجمهور، يطرح الأمر سؤالاً مربكاً: هل نشاهد نيمار، أم نسخة مرخصة منه؟ وهل يهم الفرق إذا كانت القصة مسلية؟
معنى أكبر
ما يحدث مع نيمار ليس مجرد خبر ترفيهي خفيف. إنه مؤشر على تحول أوسع في صناعة الإعلام. النجوم الرياضيون لم يعودوا يكتفون بالعقود، والإعلانات، والأحذية، والعطور، وألعاب الفيديو. الآن يدخلون سوق الشخصيات الاصطناعية، حيث يمكن للنجم أن يعمل حتى حين لا يكون موجوداً في موقع التصوير.
كما أن المونديال لم يعد بطولة كروية فقط، بل موسم محتوى. الشركات لا تنتظر نتائج المباريات وحدها؛ إنها تحاول تحويل كل لاعب كبير إلى مسلسل، وكل لقطة إلى منتج، وكل جمهور إلى مستخدم يدفع داخل تطبيق. في هذا العالم، لا تنتهي المباراة عند صافرة الحكم، بل تبدأ بعدها نسخة أخرى منها: دراما، خيال، ذكاء اصطناعي، ومحتوى عمودي لا يتوقف.
