يرسل تاريخ كرة القدم إشارات في أحيان كثيرة، تكون بشارة للبعض، وللآخرين تمثل بعض الأحداث التاريخية نوعاً من الإحباط المبكر.
كرة القدم وفية لتاريخها، هكذا كانت في أوقات كثيرة، تعرف كيف تفتح باب الأمل، أو تشير إلى أن الوقت لم يحن بعد. هي إشارات، وليست حقائق، ولا حتى نظرية يمكن الاعتماد عليها، ولكن الغريب أننا كثيراً ما نشاهد الأحداث الكبرى تتكرر انطلاقاً من بدايات صغيرة غير متوقعة، وبالتأكيد ليست مدروسة أو مخططاً لها، أو يعتمد عليها لتكون مفتاحاً للنجاح في النهاية، لكنها ترافق هذا النجاح، أو ترفع الأمل في حدوثه.
ما شهدته مباراة البرازيل وهايتي في الجولة الثانية من المجموعة الثالثة في كأس العالم 2026 يدخل ضمن هذه الإشارات التاريخية، ضمن أشياء تبدو أحياناً غير منطقية، لكنها قد تقود إلى نهاية سعيدة.
أعادت مباراة هايتي، التي انتهت بفوز البرازيل 3-0، بعض الهدوء إلى منتخب السامبا وإلى المدرب كارلو أنشيلوتي، الذي حقق أول انتصاراته كمدرب للبرازيل في كأس العالم، وخففت الضغط بعد التعادل والظهور الباهت أمام المغرب، للمنتخب الساعي إلى لقبه السادس في البطولة العالمية الكبرى، ذلك اللقب الذي ابتعد عنه منذ نهاية مونديال 2002 في اليابان وكوريا الجنوبية.
ورغم المحاولات المتعددة، بدءاً من ألمانيا 2006، ثم جنوب أفريقيا 2010، ومن بعدها السنة الحزينة 2014، عندما سعى المنتخب إلى لقبه السادس على أرضه، لكن الحلم انتهى إلى مأساة على يد المنتخب الألماني بخسارة تاريخية بلغت 7-1، وفي روسيا 2018 تكرر سيناريو الفشل، ثم في قطر 2022.
5 دورات متتالية طارد فيها منتخب البرازيل اللقب السادس من دون نجاح، وهو أمر مشابه لمسيرته نحو لقبه العالمي الأول، إذ سعى إلى التتويج منذ مونديال 1930 في أوروغواي، ثم 1934 في إيطاليا، و1938 في فرنسا، وبعد ذلك في المرة الرابعة على أرضه عام 1950، وكانت النهاية مأساوية أيضاً بالخسارة في المباراة الختامية أمام أوروغواي، رغم أن المنتخب كان يحتاج إلى التعادل فقط، ثم تكرر الإخفاق في مونديال 1954 في سويسرا، قبل أن تأتي الفرحة الأولى في المحاولة السادسة، في السويد عام 1958، وكانت تلك البطولة التي قدمت للعالم الأسطورة الخالدة بيليه (17 عاماً)، الذي أصبح أصغر لاعب يسجل هدفاً في تاريخ كأس العالم آنذاك، بعدما أحرز أول أهدافه في البطولة أمام ويلز في الدور ربع النهائي، قبل أن يقود بلاده إلى التتويج الأول في المحاولة السادسة.
هذه إشارة أولى، وهي النجاح في المحاولة السادسة، وربما تكون إشارة إلى ما يمكن أن يحدث في هذا المونديال، خصوصاً أن حالة نادرة جداً أخرى رافقت المنتخب البرازيلي في مباراة هايتي.
فالمواجهة الثانية للمنتخب البرازيلي في مونديال 2026 شهدت مشاركة لاعبين تحت سن العشرين في المباراة نفسها للمرة الثانية في تاريخ مشاركات البرازيل بكأس العالم، إذ شارك الثنائي ريان وإندريك «كلاهما 19 عاماً»، لترسل هذه الواقعة إشارة أمل جديدة للبرازيل، حيث إن النسخة الوحيدة التي شهدت مشاركة لاعبين تحت 20 عاماً في المباراة نفسها انتهت بتتويج المنتخب باللقب العالمي.
وكان ذلك أيضاً في مباراة ويلز عام 1958، التي انطلقت منها نجومية بيليه، حيث شارك إلى جانبه مازولا (19 عاماً)، وكان كلاهما دون العشرين عاماً، ليعيد التاريخ نفسه عام 2026، ويرفع بحالتين نادرتين جداً في تاريخ السامبا آمال منتخب البرازيل في التتويج باللقب السادس.
ليست حقيقة، وليست نظرية يمكن الاعتماد عليها، ولكن كرة القدم عودتنا على أنها وفية لتاريخها. فهل نرى السامبا على عرش المونديال، ويصبح كارلو أنشيلوتي أول مدرب يتوج بكأس العالم مع منتخب غير منتخب بلاده؟ لننتظر حتى نهاية البطولة.

