دراسة أمريكية تكشف سر انهيار نجوم الرياضة في المواجهات الكبرى

لماذا يزدهر بعض الرياضيين ويتألقون في اللحظات الحاسمة تحت وطأة الضغوط الرهيبة، بينما ينهار آخرون ويتراجع أداؤهم تماما؟

تُعرف هذه الظاهرة في علم النفس الرياضي بـ "الاختناق تحت الضغط"، وتعرف إجرائيا بأنها تقديم أداء أسوأ بكثير مما هو متوقع بالنظر إلى القدرات الفعلية للاعب، وذلك في المواقف التي يدرك فيها الرياضي أهمية الحدث وخطورته العالية.

وفي دراسة بحثية شاملة تغوص في أعماق هذه المعضلة الحيوية، قدمت الدكتورة تيريزا فليتشر، الأستاذة ومديرة برنامج الرياضة والأداء البشري في جامعة "أديلر" بشيكاغو، دراسة سيكولوجية متكاملة تفكك من خلالها مفهوم الضغط النفسي الذي يتخذ أشكالا ومظاهر متباينة من شخص لآخر.

وتؤكد فليتشر أن القدرة على عبور المواقف الحرجة بسلاسة فائقة وتجاوز التوقعات هي ظاهرة تستحق الاستكشاف العميق، لما لها من أبعاد مصيرية، ليس فقط في الرياضات الاحترافية، بل في تفاصيل الحياة اليومية أيضا.

توضح دراسة الدكتورة فليتشر أن مفتاح الحفاظ على الأداء المثالي تحت الظروف المكثفة والقاسية بشكل مستدام يتقاطع مباشرة مع مزيج دقيق من المهارات النفسية والبدنية، فالإدراك الفردي للضغط أو التوتر يتباين بوضوح بين الأفراد والمواقف والأحداث. فعلى سبيل المثال، قد يبدو التحدث أمام الجمهور أمرا طبيعيا لشخص ما، بينما يمثل رعبا مطلقا لشخص آخر.

وفي عالم الرياضة، فإن تسديد ركلة حرة في الثواني الأخيرة من مباراة مصيرية والفريق متأخر بفارق نقطة واحدة، قد يدفع لاعبا إلى قمة التركيز الذهني لتسجيل الهدف، بينما قد يؤدي باللاعب الآخر إلى الانكماش والتوتر العضلي تحت وطأة الضغط ليفقد الكرة.

وتكشف الدراسة أن المنافسات الدورية، مثل الأدوار الإقصائية للفرق المحترفة التي تقام سنويا، تمنح اللاعبين فرصة للخطأ ثم التعويض في العام التالي، لكن البطولات الكبرى والنهائيات تكون أكثر إجهادا نظرا لأن الوصول إليها ليس مضمونا، مما يجعل استغلال الفرصة أمرا بالغ الأهمية.

وتشير فليتشر إلى أن البطولات أو الأحداث التي تقام مرة كل أربع سنوات مثل كأس العالم تؤدي إلى تضخيم الإحساس بالضغط النفسي بشكل حاد، ورفع مستويات الاستثارة والقلق إلى درجات قصوى، مما يساهم في حدوث خلل فيزيولوجي ووظيفي في الجسم يحرم اللاعب من تنفيذ حتى المهارات الأساسية التي يؤديها بنجاح واقتدار في ظروف أقل ضغطا.

وفي المقابل، تبرز فئة من الرياضيين القادرين على التألق وتجاوز سقف التوقعات في الأجواء ذاتها، وهو ما يدفع مستشاري الأداء العقلي والباحثين إلى تركيز جهودهم لفهم كيفية استيعاب الرياضيين للضغط وصياغة استراتيجيات تعدهم للتعامل مع متطلبات الأداء الصعبة.

لتفكيك هذه الآلية، استندت الدكتورة فليتشر إلى عدة نظريات تفسر العلاقة بين العاطفة والأداء، وفي مقدمتها "النموذج البيولوجي النفسي الاجتماعي للتحدي والتهديد".

وتفترض هذه النظرية أنه عندما يفسر اللاعب الموقف التنافسي على أنه تهديد مباشر، فإنه يرى تلقائيا أن موارده وقدراته على التنافس أو الفوز غير كافية، وغالبا ما يعزو النتائج إلى الحظ بدلا من المهارة.

هذه العقلية تضع الرياضي في دائرة الخطر البيولوجي، حيث تؤدي إلى: تسارع حاد في ضربات القلب وتغيرات فيزيولوجية سلبية تعيق تنفيذ المهارات الحركية (مثل تسديد ركلة جزاء أو تمرير كرة دقيقة).

بالإضافة تضييق نطاق التركيز والانتباه مع تسارع نبضات القلب، مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات كارثية ومربكة.

وتضرب فليتشر مثالا بحارس المرمى، فإذا كان الحارس لا يؤمن داخليا بقدرته على التصدي لتسديدة من أبرز هدافي الفريق الخصم، فقد يسيء قراءة مؤشرات حركته، واندفاعه مبكرا جدا، مما يمنح المهاجم فرصة أسهل للتسجيل. وعلى العكس من ذلك، فإن الحارس الذي يحافظ على تركيزه وصبره يظل رشيقا وقادرا على الاستجابة بسرعة ودقة فائقتين.

وبينما يعتاد رياضيو الألعاب الفردية (مثل الجولف أو السباحة أو الرماية) على الأداء المنفرد الذي ترتبط نتائجه مباشرة بقدرتهم الشخصية على إدارة التوتر، فإن الرياضات الجماعية تنطوي على ضغوط آنية هائلة تتركز في كثير من الأحيان على مراكز محددة، مثل حراس المرمى أو اللاعبين المكلفين بتسديد ركلات الجزاء والترجيح.

وفي الأوقات الحاسمة من المباريات، تتوجه كل الأنظار والصحافة نحو هؤلاء الأفراد، فالرامي في البيسبول أو المسدد لركلة الجزاء في كرة القدم يقع تحت مجهر ضغط داخلي عنيف يرتبط بشعوره بالمسؤولية الكاملة عن مصير فريقه أو مؤسسته. ورغم أن الفوز والخسارة يعتمدان على الأداء الجماعي للفريق ككل، إلا أن الفرد هنا يتحمل العبء النفسي الأكبر، وهو ما قد يقود إلى الانهيار التام إذا لم يتم تداركه سيكولوجيا.

وتستشهد الدكتورة تيريزا فليتشر بمقولة المدرب الشهير "هيرب بروكس" للاعبي منتخب الهوكي الأمريكي عام 1980 قبيل مواجهة الاتحاد السوفيتي: "إن اللحظات العظيمة تولد من الفرص العظيمة". وتعني هذه الفلسفة أن المهارات التي تنفذ في ظل التحديات والمخاوف هي في الواقع فرص لاختبار مدى قدرة الرياضي على تجاوز توقعاته وتثمين تضحياته.

وخلصت دراسة جامعة "أديلر" إلى أن الرياضيين الذين يؤمنون بامتلاكهم الموارد النفسية والبدنية للنجاح يكونون أقل عرضة للاختناق والانهيار، مؤكدة أنه يمكن للاعبين تعلم كيفية تحمل هذه الظروف المكثفة والازدهار وسطها من خلال ثلاث ركائز أساسية وهي:

الكفاءة البدنية الراسخة: يجب على الرياضيين تطوير كفاءة استثنائية في مهاراتهم الحركية، لأن الثقة تعززها جودة التنفيذ المتكرر. فالإعداد البدني والذهني المستمر، وتحويل المهارات التكتيكية إلى عادات متجذرة في العقل الباطن، يشكلان خط الدفاع الأول الذي يحمي اللاعب من الانهيار المفاجئ تحت الضغط.

كذلك مهارات الحياة والمرونة النفسية: إذ يحتاج المحترفون إلى اكتساب مهارات مرنة وقابلة للانتقال، تشمل الكفاءة الذاتية، والمبادرة، والقدرة على حل المشكلات بمرونة واتخاذ القرار تحت الضغط الإيجابي. هذه الأدوات، حين تندمج مع حديث إيجابي ومنتج مع الذات، تمنح الرياضي القدرة على التكيف مع البيئة المحيطة والتركيز التام على الاستراتيجيات التكتيكية، حيث يتعلم اللاعب المهارات العقلية تماما ك المهارات البدنية عبر التجربة والتطبيق في التدريبات حتى تصبح تلقائية وآلية.

وأيضا تطبيع بيئة المنافسة: حيث تعتبر محاكاة الأجواء التنافسية وتطبيعها الخيار الأبرز لتقليل القلق الذي يسبق الاختناق والانهيار. وتقترح الدراسة أن يتدرب الرياضيون بانتظام تحت ظروف تحاكي التوتر الشديد والرهانات العالية، فإذا تم تخيل وممارسة كل حصة تدريبية كما لو كانت الثواني الأخيرة من المباراة النهائية لبطولة كأس العالم، فعندما يأتي اليوم الفعلي للمواجهة الحقيقية، سيتعامل معها عقل اللاعب باعتبارها "مجرد يوم آخر عادي في العمل".