لم يعد مشجعو المونديال يقفون أمام أسعار التذاكر مكتوفي الأيدي. في البطولة التي تجري الآن وسط جدل واسع حول الأسعار، وجد بعض المشجعين سلاحًا غير متوقع: الذكاء الاصطناعي.
فبدل انتظار أن تهبط الأسعار أو أن ترحمهم السوق الثانوية، بدأوا يبنون أدواتهم بأنفسهم، يراقبون المنصات، يقارنون المقاعد، يرصدون الانخفاضات، ويحذرون بعضهم من السماسرة.
وفقًا لمجلة "وايرد" تحولت مجموعة "WorldCup2026Tickets" على "ريديت" من مساحة عادية للبحث عن التذاكر إلى حركة جماهيرية رقمية تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لمواجهة أسعار التذاكر المرتفعة.
وتقول المجلة إن المجموعة تضم أكثر من 140 ألف عضو، يتبادلون المعلومات حول تذاكر المونديال، وينشرون تنبيهات عن انخفاض الأسعار، ويستخدمون أدوات مبنية بالذكاء الاصطناعي لكشف أفضل المقاعد وأرخص الخيارات.
المقاومة الرقمية
تبدأ القصة من غضب بسيط: أسعار تذاكر تبدو لكثير من المشجعين خارج حدود المعقول. ففي إحدى المباريات بين الأردن والجزائر، تذكر "وايرد" أن الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" كان يطرح مقعدًا متوسط الرؤية قرب الراية الركنية بسعر يقارب 450 دولارًا، رغم أن المباراة لا تُعد من المواجهات الأكثر جماهيرية عالميًا.
ومع ذلك، هبط سعر التذكرة نفسها لاحقًا في السوق الرسمية لإعادة البيع إلى أقل من 100 دولار، لتصبح تلك المباراة أول مواجهة في مونديال 2026 تهبط تحت هذا الحاجز السعري.
هذا الانخفاض لم يمر بصمت، فعلى "ريديت"، تعامل المشجعون معه كأنه انتصار جماعي. ظهرت منشورات من نوع "لا تشتروا الآن" و"انتظروا"، وانتشرت ثقافة تشبه ما حدث في ظاهرة "جيم ستوب" عام 2021، حين استخدم مستخدمو الإنترنت التنظيم الجماعي لمواجهة قوى السوق التقليدية. هنا أيضًا، يحاول المشجعون أن يقولوا: لسنا مجرد مشترين منفردين، بل جماعة قادرة على إرباك السوق.
وأطلق أحد أعضاء المجموعة، ويُدعى لوك، منصة باسم "سيت سايد كيك" "SeatSidekick" في 18 أبريل. اللافت أن الموقع بُني خلال خمسة أيام فقط، وخلال شهر واحد من إطلاقه، جذب الموقع نحو 178 ألف زائر فريد، وحقق أكثر من مليون مشاهدة صفحة.
تعمل الأداة على قراءة بيانات شبه مباشرة من موقع تذاكر فيفا، ثم تعرض للمشجعين معلومات أوضح عن المقاعد المتاحة، والأسعار، والاتجاهات، والتنبيهات. بمعنى آخر، صنع المشجعون لأنفسهم واجهة أكثر شفافية من الواجهة الرسمية. فلم يعودوا ينتظرون أن تخبرهم المنصة أين توجد الصفقة الجيدة بل صاروا يبحثون عنها بأنفسهم.
فمثلاً في مباراة فرنسا والسنغال في نيويورك، وهي مباراة جذابة بسبب أسماء مثل كيليان مبابي وساديو ماني، انخفض سعر الدخول إليها بنسبة 25% خلال أسبوعين في مايو، ليصل السعر إلى نحو 450 دولارًا، فهذا النوع من الانخفاضات صار يُتداول داخل المجموعة كأخبار انتصار، لا مجرد تحديثات سعرية.
السوق الثانوية
لا يأتي غضب المشجعين من الأسعار وحدها، بل من غموض السوق. فيُعد مونديال 2026 أول كأس عالم يستخدم التسعير الديناميكي مع قوائم إعادة بيع غير محددة بسقف واضح.
وتذكر "وايرد" أن إحدى تذاكر النهائي يوم 19 يوليو وصلت في إحدى المنصات إلى 11.5 مليون دولار، وهو رقم يكشف إلى أي مدى يمكن أن يتحول حدث رياضي شعبي إلى مزاد مفتوح.
كما أن "فيفا" تحصل على عمولة قدرها 30% من كل عملية إعادة بيع في السوق الرسمية، مقسمة بين البائع والمشتري، وجعلت هذه العمولة بعض المشجعين يبحثون عن طرق بديلة للتبادل خارج المنصة الرسمية، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر.
فبحسب التقرير، أنشأ أعضاء من المجموعة قنوات خلفية على "واتساب"، حتى إن إحدى المجموعات وصلت إلى الحد الأقصى البالغ 1024 عضوًا، ما استدعى إنشاء مجموعة ثانية.
وفي مثال لافت، يذكر التقرير أن أحد المشرفين على مجموعة "ريديت" اشترى أربع تذاكر لمباراة في نيويورك بسعر 500 دولار للتذكرة الواحدة عبر صفقة مباشرة. ولو اشتراها من سوق إعادة البيع الرسمي، حيث كانت مدرجة بسعر 800 دولار للتذكرة، ومع إضافة رسوم المشتري البالغة 15%، لكان السعر النهائي 920 دولارًا للتذكرة. وبهذا وفّر الرجل نحو 1680 دولارًا في صفقة واحدة.
أسلحة ذكية
هنا تظهر المفارقة: الذكاء الاصطناعي الذي يُتهم كثيرًا بأنه يخدم الشركات الكبرى، يستخدمه المشجعون الآن لمواجهة الشركات والمنصات والسماسرة. فبدل أن يكون المستخدم ضعيفًا أمام خوارزميات التسعير، صار يستخدم خوارزميات مضادة تكشف له متى ينخفض السعر، وأين توجد المقاعد الأرخص، ومتى يجب أن ينتظر.
ولا تقتصر الأدوات الجديدة على البحث عن الخصومات، بل تساعد أيضًا في كشف المبالغة. فإذا عرض شخص على "ريديت" تذكرتين بسعر مرتفع، يستطيع مستخدم آخر أن يرد عليه بأن الأداة تعرض مقاعد في القسم نفسه بسعر أقل بنحو 500 دولار. وهكذا لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد أداة شراء، بل وسيلة ضغط اجتماعي ضد من يحاول استغلال حاجة المشجعين.
وفرة التذاكر
تقول "وايرد" إن حالة الغضب قد تفسر وجود وفرة كبيرة في التذاكر المعروضة، إذ أظهرت بيانات "سيت سايد كيك" (SeatSidekick) وجود أكثر من 260 ألف تذكرة لا تزال معروضة للبيع قبل وقت قصير من انطلاق البطولة. ويكشف أن السعر المرتفع لا يعني دائمًا طلبًا قويًا، بل قد يعني أحيانًا انفصالًا بين ما تريده المنصة وما يستطيع الجمهور دفعه.
وتشير تقارير أخرى إلى أن المشكلة لا تقف عند فيفا وحدها، بل تعكس أزمة أوسع في سوق التذاكر. ففي تجربة نشرتها "بزنس انسايدر" على منصة "StubHub"، حاول صحفيون شراء التذاكر نفسها في الوقت نفسه، فظهرت لهم ستة أسعار مختلفة للتذاكر ذاتها. لم يكن الفرق في المقاعد، بل في الرسوم.
تراوحت الأسعار الإجمالية بين 424 دولارًا و490 دولارًا، أي بفارق يصل إلى 66 دولارًا للصفقة نفسها. هذه التجربة تكشف أن المستهلك لم يعد يواجه سعرًا واحدًا واضحًا، بل بيئة تسعير متغيرة، تختلط فيها الرسوم والاختبارات الخوارزمية والتسعير الديناميكي. وإذا كان هذا يحدث في مباراة بيسبول عادية، فكيف يبدو الأمر في حدث بحجم كأس العالم؟
تحليل البيانات
في الماضي، كان المشجع يحتاج إلى حظه وماله ليحصل على تذكرة. اليوم، يحتاج أيضًا إلى معرفة رقمية. عليه أن يراقب المنصات، يقارن الرسوم، يتابع مجموعات "ريديت"، يستخدم أدوات تنبيه، ويفهم متى يكون السعر حقيقيًا ومتى يكون مبالغًا فيه. لقد تحول شراء التذكرة من عملية بسيطة إلى لعبة بيانات.
وهذا التحول يطرح سؤالًا أكبر: هل من العدل أن يحتاج المشجع العادي إلى أدوات ذكاء اصطناعي كي لا يدفع أكثر من اللازم؟ إذا كانت المنصة الرسمية لا تقدم شفافية كافية، وإذا كانت السوق الثانوية ترفع الأسعار، وإذا كانت الرسوم تتغير من جهاز إلى آخر، فإن المشجع يجد نفسه مضطرًا لأن يصبح محللًا صغيرًا كي يحمي محفظته.
ضغوط رسمية
وصل الجدل إلى الجهات الرسمية، إذ استدعى المدعيان العامان في نيويورك ونيوجيرسي "فيفا" في إطار تحقيق يتعلق بممارسات بيع التذاكر. وتتركز الانتقادات حول غموض العملية، والتسعير الديناميكي، والاتهامات بخلق ندرة مصطنعة، إضافة إلى الرسوم المرتفعة في إعادة البيع.
وفي الوقت نفسه، تشير تقارير صحفية إلى أن بعض المباريات تشهد انخفاضًا في الأسعار بعد موجة غضب جماهيرية، ما يعزز فكرة أن السوق ليست ثابتة كما تبدو، وأن الانتظار أحيانًا قد يكون سلاحًا. ولهذا انتشرت داخل مجموعات المشجعين ثقافة “HOLD”، أي لا تشترِ الآن، وانتظر حتى تهبط الأسعار.