على ملعب نيويورك نيوجيرسي في إيست رذرفورد، تتجه أنظار عشاق كرة القدم الليلة نحو مواجهة شديدة الإثارة في افتتاح المجموعة التاسعة لمونديال 2026 (مجموعة تضم أيضاً العراق والنرويج). اللقاء يجمع منتخبي فرنسا والسنغال في ثاني مواجهة رسمية فقط عبر تاريخهما، لكنها مواجهة محملة بإرث ثقيل من "النوستالجيا" وصراع الهويات؛ إذ تفصلها عن لقائهما الأول مسافة زمنية مدتها أربعة وعشرون عاماً بالتمام والكمال.
في ربيع عام 2002، دخل المنتخب الفرنسي ملاعب اليابان وكوريا الجنوبية وهو بطل العالم وحامل اللقب الأوروبي، مدججاً بعباقرة الجيل؛ زين الدين زيدان وتييري هنري وباتريك فييرا. في المقابل، كانت السنغال تدخل المونديال للمرة الأولى في تاريخها كفريق مغمور لا يملك ما يخسره.
وفي الدقيقة الثلاثين من مباراة الافتتاح، صعق بابا بوبا ديوب العالم بهدف تاريخي، أمضى بعده "أسود التيرانغا" بقية الـ 90 دقيقة يذودون ببسالة عن مرماهم ومن خلفهم الحارس توني سيلفا، لتنتهي المباراة بميلاد أكبر مفاجأة في تاريخ كأس العالم. تلك الهزيمة لم تكن مجرد عثرة عابرة؛ بل قادت إلى انهيار مدوٍّ للديوك وخروجهم من الدور الأول بلا هدف واحد، بينما مضت السنغال لتكتب مجدها ببلوغ ربع النهائي.
لم تكن تلك الليلة ليلةً سنغالية فحسب، بل كانت ليلة شهدت ذروة التألق للتحكيم الإماراتي والعربي. فقد أسند الاتحاد الدولي (فيفا) عبء هذه المباراة الافتتاحية الحساسة إلى الحكم الدولي الإماراتي علي بوجسيم (ابن دبي، المولود عام 1959).
قبل ركلة البداية، توجه إليه الحكم الإنجليزي الشهير غراهام بول بعبارة تختزل الاحترام المهني: "أرني الفن في إدارة اللقاء"؛ وقد كان. أدار بوجسيم المباراة بحزم وهدوء قادا اللقاء إلى بر الأمان وسط ذهول العالم، ليثبت أن أبناء الإمارات لم يكونوا مجرد متفرجين على التاريخ، بل كانوا شركاء في صناعة لحظاته الكبرى.
مسيرة بوجسيم المونديالية لم تكن وليدة المصادفة، فهو الحكم الإماراتي الوحيد الذي شارك في ثلاث نسخ متتالية (1994، 1998، 2002) وأدار 7 مباريات تاريخية من بينها نصف نهائي 1998 بين البرازيل وهولندا، ويحمل رقماً نادراً بإدارة مباريات من الفئة الأولى في القارات الست. ومن مفارقاته التاريخية، أنه كان أول من أشهر بطاقة حمراء في وجه لاعب على دكة البدلاء (الأرجنتيني كلاوديو كانيجيا عام 2002) قبل أن تطأ قدماه العشب.
مرآة الماضي
الليلة، يختلف المشهد الجغرافي والزمني تماماً؛ فرنسا تدخل اللقاء محتلة المركز الثالث في تصنيف "فيفا"، وبقيادة نجمها كيليان مبابي، تبرز كأحد أعتى المرشحين لرفع الكأس. وعلى الطرف الآخر، تقف السنغال مدفوعةً بخبرة ساديو ماني، وإسماعيلا سار، ونيكولا جاكسون، بحثاً عن استعادة "روح سيئول" وتكرار السيناريو الإعجازي.
وعلى الرغم من أن البصمة التحكيمية الإماراتية غائبة في لقاء الليلة بعدما أسندت اللجنة المباراة للحكم الإيراني الأسترالي عليرضا فغاني، إلا أن اسم "علي بوجسيم" يظل يرفرف فوق المستطيل الأخضر في نيويورك. فحين يتواجه الديوك والأسود مجدداً بعد ربع قرن، سيتذكر الجميع أن الرجل الذي ضبط إيقاع ملحمتهم الأولى، وجعل من العبور السنغالي حقيقة مدونة في أوراق التاريخ، جاء من قلب دبي حاملًا صافرة العدالة وثقة العالم.



