تشهد كرة القدم الكثير من القصص الإنسانية التي تقف وراء نجوم حفروا في الصخر للوصول إلى أعلى المستويات وأضواء الشهرة في عالم الساحرة المستديرة.
ويأتي في مقدمة هؤلاء اللاعبين، نجم كولومبيا لويس دياز، الذي تبدو رحلته مع كرة القدم استثنائية إلى حد يصعب تصديقه، حيث انتقل من طفولة قاسية في قرية فقيرة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، إلى التألق في أكبر المحافل والوصول إلى حمل آمال قيادة منتخب بلاده في نهائيات المونديال.
ويستعد نجم بايرن ميونيخ الألماني الحالي، وليفربول السابق، لخوض أولى مبارياته في كأس العالم بقميص منتخب كولومبيا أمام أوزبكستان، حاملاً معه ذكريات رحلة بدأت في قرية بارانكاس الواقعة شمالي البلاد، حيث نشأ وسط ظروف معيشية بالغة الصعوبة.
وينتمي دياز إلى مجتمع شعب «الوايو» الأصلي، وهي جماعة عانت طويلاً من التهميش والفقر، وكان منزل أسرته مبنياً من الطين والخشب، في منطقة تفتقر إلى الكهرباء ومياه الشرب النظيفة، بينما اضطر الطفل الصغير إلى مساعدة والده في بيع العصائر في الشوارع لتأمين لقمة العيش.
ووجد دياز وسط هذه الظروف متنفسه الوحيد في كرة القدم، فكان يركض حافي القدمين فوق الملاعب الترابية، مستعرضاً مهاراته وسرعته الفطرية التي لفتت أنظار المحيطين به منذ سنواته الأولى.
لكن موهبته لم تكن كافية لتبديد الشكوك، فقد عانى «لوتشو» كما يُعرف بين المقربين منه، من سوء تغذية مزمن تركه ببنية جسدية هزيلة، في منطقة شهدت وفاة آلاف الأطفال بسبب الجوع خلال العقود الأخيرة، وكان مجرد بقائه على قيد الحياة يعد انتصاراً بحد ذاته.
ولم تكن محاولاته لإقناع الكشافين سهلة، إذ تجاهله كثيرون بسبب ضعفه البدني وعدم قدرته على مجاراة الالتحامات القوية داخل الملعب.
وجاءت نقطة التحول عندما استدعي للمشاركة مع منتخب كولومبيا في بطولة «كوبا أمريكا للشعوب الأصلية»، إذ رغم المخاوف التي أبداها مدربه آنذاك جون «بوتشيو» دياز بشأن حالته الجسدية، فإن اللاعب الشاب أصر على إثبات نفسه، وتمكن من دخول القائمة النهائية التي ضمت 26 لاعباً من بين نحو 400 مرشح.
ونجح بالفعل في خطف الأنظار خلال البطولة بأدائه اللافت وقاد فريقه إلى المباراة النهائية بتسجيله هدفين، ليحظى بإعجاب أسطورة الكرة الكولومبية كارلوس فالديراما، الذي أوصى نادي أتلتيكو جونيور بالتعاقد معه.
وانضم دياز إلى النادي وهو في الثامنة عشرة من عمره، لكن الشكوك استمرت، فقد رأى بعض المدربين أن بنيته الجسدية لن تسمح له بالنجاح، غير أن آخرين تمسكوا بموهبته الاستثنائية وسرعته وقدرته على المراوغة وتحمله البدني غير المعتاد.
ولمواجهة هذه التحديات، انتقل إلى نادي بارانكيا، الشريك لأتلتيكو جونيور، حيث خضع لبرنامج غذائي خاص وتناول مكملات ساعدته على زيادة وزنه بنحو عشرة كيلوغرامات، بالتزامن مع تطوره الفني في دوري الدرجة الثانية.
عاد بعدها أكثر قوة ونضجاً، وأسهم في قيادة أتلتيكو جونيور إلى التتويج بلقب الدوري الكولومبي عام 2018، مسجلاً 20 هدفاً خلال 106 مباريات.
وفي عام 2019، انتقل إلى بورتو البرتغالي، حيث واصل تألقه بإحراز 41 هدفاً في 125 مباراة، وأسهم في فوز الفريق بلقبي الدوري البرتغالي وكأس البرتغال.
وجاءت القفزة الكبرى في مسيرة لويس دياز عندما انتقل إلى ليفربول الإنجليزي مقابل نحو 37.5 مليون جنيه استرليني، ليصبح سريعاً أحد أبرز نجوم الفريق تحت قيادة المدرب يورغن كلوب، بعدما ترك بصمة واضحة منذ أشهره الأولى في «أنفيلد».
وكان أبناء قبيلة الوايو يتابعون صعوده بفخر بالغ، معتبرين أن نجاحه يمثل رمزاً للصمود والانتصار على الفقر والتهميش والتمييز الذي عانت منه مجتمعاتهم لعقود طويلة.
ولم تخل حياة دياز من المحن حتى بعد بلوغه القمة، إذ تعرض والده، لويس مانويل دياز، للاختطاف على يد جماعة مسلحة في كولومبيا خلال فترة لعبه مع ليفربول، قبل أن يفرج عنه سالماً بعد 13 يوماً من القلق والترقب.
ويفصل لويس دياز الآن ساعات على خوض أول تجربة له في كأس العالم بعزيمة صنعتها سنوات الحرمان، فبالنسبة للاعب عرف الجوع والعطش ولعب حافي القدمين فوق التراب، تبدو ضغوط المونديال أقل قسوة بكثير من المعارك التي خاضها منذ طفولته.

