"الطائر الذي يحلق لا يترك أثراً".. ليست مجرد مقولة تراثية، بل هي الفلسفة التي يطبقها المنتخب الياباني حرفياً في ملاعب كأس العالم (FIFA World Cup) هذا الصيف. ومع ترقب جماهيري كبير، يستهل "الساموراي" مشوارهم في البطولة اليوم الأحد 14 يونيو 2026 بمواجهة من العيار الثقيل أمام هولندا على ملعب "إيه تي آند تي" بدالاس، ضمن منافسات المجموعة السادسة التي تضم أيضاً تونس والسويد.
وكما يغادر الطائر مكانه دون أن يفسد الطبيعة، يحرص اليابانيون على أن يغادروا المدرجات وغرف تبديل الملابس بأعلى درجات النظافة، محولين هذا الانضباط إلى "قوة ناعمة" تعكس قيم مجتمعهم وتفرض احترام المتابعين عالمياً.
يقود هذا الطموح المدرب هاجيمي مورياسو، الذي يُعد الأطول خدمة في تاريخ الكرة اليابانية منذ 2018. وتحت قيادته، لم تكتفِ اليابان بالسيطرة آسيوياً، بل حققت انتصارات لافتة على منتخبات عالمية كبرى، مما عزز الاعتقاد بأن الفريق لم يعد مجرد "ضيف شرف" في المونديال.
وعلى الرغم من غياب أسماء وازنة للإصابة، مثل واتارو إندو وكاورو ميتوما وتاكومي مينامينو، إلا أن عمق التشكيلة يمنح مورياسو ثقة كبيرة؛ إذ يستعد كيتو ناكامورا للتألق على الجناح، بينما يتولى تاكيفوسا كوبو، نجم ريال سوسيداد، دور صانع الألعاب، مدعوماً بمهاجمين مميزين كأياسي أويدا.
"مالياً، لا تُعد المشاركة اليابانية مجرد طموح رياضي، بل استثماراً استراتيجياً يعكس تطور المحترفين اليابانيين في الدوريات العالمية؛ إذ تبلغ القيمة السوقية الإجمالية لتشكيلة المنتخب نحو 285 مليون دولار.
ويتوزع هذا الثقل المالي ليعكس قوة الخطوط الهجومية التي تستحوذ على الحصة الأكبر بقيمة 135 مليون دولار تقريباً، يليه خط الوسط بنحو 66 مليون دولار، بينما تبلغ قيمة الخط الدفاعي 59 مليون دولار، وحراسة المرمى 25 مليون دولار. ويأتي هذا في ظل نظام توزيعات قياسي من "فيفا" يضمن للمنتخبات عوائد تتراوح بين 12.5 مليون دولار للمشاركة، وتصل إلى 21.5 مليون دولار في حال بلوغ ربع النهائي، لدعم خطط الاتحاد الوطني للاستدامة المالية وتطوير البنية التحتية للعبة."
وفيما يخص التحديات الميدانية، تدرك اليابان صعوبة المجموعة السادسة أمام هجوم هولندا المتنوع، وانتعاش السويد بقيادة غراهام بوتر، وصلابة المنتخب التونسي.
ورغم ذلك، يظل بلوغ ربع النهائي الهدف الأسمى، وهو طموح يندرج ضمن "خطة اليابان المئوية" التي تهدف لحصد لقب كأس العالم بحلول عام 2050. وتعتبر مواجهة اليوم ضد هولندا الاختبار الحقيقي لمدى جاهزية "الساموراي" لمقارعة القوى الكبرى.
وفي سياق المسؤولية المجتمعية، تكتسب المباراة طابعاً إنسانياً؛ إذ كشف المشجع هيروكازو تسونودا، الذي يقود مبادرات تنظيف المدرجات منذ 2008، عن حضور سبعة شباب متضررين من زلزال "نوتو" 2024 في المدرجات.
ويؤكد تسونودا "تعريفي للتطوع هو سد فجوات احتياجات الآخرين. التقاط القمامة هو المسار الأكثر يسراً لغرس المسؤولية".
ومع انطلاق البطولة التي يُتوقع أن تولد إيرادات قياسية تتجاوز 10.9 مليار دولار، تظل تجربة اليابان درساً في المواطنة؛ حيث يرى مشجعوها أن مهمتهم في الملاعب العالمية ليست مجرد التشجيع، بل ترك المكان أفضل مما كان عليه.
و تقول نوزومي مورغان، خبيرة القيادة بين الثقافات، أن هذه السلوكيات ليست عفوية، بل هي نتاج تنشئة اجتماعية تبدأ من الفصول الدراسية الابتدائية، حيث يُكلف الأطفال بمهام التنظيف اليومي باستخدام قطعة قماش تقليدية تعرف بـ "الزوكين" (Zokin).
وتضيف مورغان: "إنه ليس واجباً مدرسياً، بل تدريب على العمل الجماعي ومسؤولية الحفاظ على البيئة المحيطة".
هذا الالتزام لم يقتصر على المشجعين، بل امتد إلى "محاربي الساموراي" (منتخب اليابان)، حيث بات مشهداً مألوفاً أن يغادر المنتخب الياباني غرف تبديل الملابس في حالة من النظافة المطلقة، تاركين خلفهم رسائل شكر وطيور "الأوريغامي" الورقية كرمز للامتنان، حتى في لحظات الخسارة القاسية.


