"كرة بأربعة أرباع ".. مونديال 2026 بين صحة اللاعبين ومليارات الإعلانات

أثارت استراحات الترطيب الإلزامية التي طُبقت للمرة الأولى في تاريخ كأس العالم خلال النسخة الحالية موجة واسعة من الانتقادات، وسط اتهامات للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بتحويل المباريات إلى منصة إعلانية على حساب إيقاع اللعب ومتعة المشاهدة، رغم تبرير القرار بالحفاظ على صحة اللاعبين في ظل ارتفاع درجات الحرارة.

ووفقاً للنظام الجديد، يتم إيقاف اللعب لمدة ثلاث دقائق تقريباً في منتصف كل شوط، وتحديداً بعد مرور نحو 22 دقيقة، لإتاحة الفرصة أمام اللاعبين للحصول على السوائل والتقاط الأنفاس قبل استكمال المباراة.

ولا يقتصر التوقف على توقف المباراة فقط، بل يمتد إلى شاشات البث التلفزيوني التي تنتقل مباشرة إلى فواصل إعلانية متتالية.

وتستمر هذه الاستراحة لمدة ثلاث دقائق في كل شوط، وهو ما يعني توقف المباراة مرتين خلال زمنها الأصلي.

وامتلأت منصات البث والتعليقات بردود فعل ساخرة وانتقادات، كان من أبرزها تعليق يقول: "لم أشاهد كرة قدم بهذا الشكل من قبل".

ويُعد قرار فرض استراحات الترطيب في جميع مباريات كأس العالم 2026 سابقة تاريخية، إذ لم يكن هذا الإجراء مطبقاً بشكل إلزامي في النسخ السابقة.

وأوضح "فيفا" أن الهدف من القرار يتمثل في حماية اللاعبين والحفاظ على جاهزيتهم البدنية في ظل المخاوف المتزايدة من تأثير موجات الحر الشديدة التي تشهدها بعض الدول المستضيفة.

وكان النظام السابق يتيح للحكم منح ما يُعرف بـ"استراحة التبريد" بصورة استثنائية عندما تتجاوز درجة الحرارة 32 درجة مئوية، إلا أن اللوائح الجديدة جعلت الاستراحة إلزامية في جميع المباريات بغض النظر عن الظروف المناخية أو طبيعة الملعب، بما في ذلك الملاعب المغطاة والمزودة بأسقف مغلقة.

غير أن منتقدي القرار يشيرون إلى أن تطبيقه جاء حتى في ظروف مناخية معتدلة. فعلى سبيل المثال، أُقيمت مباراة كوريا الجنوبية والتشيك في مدينة غوادالاخارا المكسيكية عند الساعة الثامنة مساءً، وكانت درجة الحرارة تبلغ نحو 21 درجة مئوية فقط. كما أفادت تقارير أن الأجواء كانت لطيفة نسبياً مع هبوب نسيم بارد عقب زخات مطر شهدتها المدينة خلال فترة ما بعد الظهر.

ويرى مراقبون أن هذه الاستراحات تمثل تحولاً جوهرياً في طبيعة اللعبة، التي عُرفت تاريخياً بأنها تُلعب على مدار 90 دقيقة متواصلة مقسمة إلى شوطين فقط، بواقع 45 دقيقة لكل شوط، دون توقفات متكررة.

وبحسب هؤلاء، فإن إدخال فترتي توقف إلزاميتين في كل مباراة يجعل البطولة أقرب إلى نموذج "كرة القدم ذات الأرباع الأربعة"، على غرار الرياضات الأمريكية التي تعتمد فترات توقف منتظمة تسمح ببث المزيد من الإعلانات.

ويستشهد المنتقدون بتجارب الرياضات الأمريكية، حيث يعتمد دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين (NBA) نظام الأرباع الأربعة منذ تأسيسه، بينما تحولت كرة القدم الأمريكية من نظام الشوطين إلى نظام الأرباع منذ عام 1910، وهو ما أتاح توسيع المساحات المخصصة للإعلانات التجارية.

وفي هذا السياق، وجّه المدرب الإسباني بيب غوارديولا، انتقادات مباشرة للاتحاد الدولي لكرة القدم، معتبراً أن "فيفا يركز على تحقيق المزيد من الإيرادات تحت غطاء حماية صحة اللاعبين"، في إشارة إلى أن الجوانب التجارية باتت تلعب دوراً متزايداً في صياغة لوائح البطولة.

ولا تقتصر التغييرات المثيرة للجدل في مونديال 2026 على استراحات الترطيب فقط، إذ تشهد البطولة أكبر عملية توسع في تاريخ كأس العالم. فقد ارتفع عدد المنتخبات المشاركة في النهائيات من 32 إلى 48 منتخباً، كما زاد عدد المباريات بصورة ملحوظة بعد استحداث دور الـ32 ليكون أول مراحل الأدوار الإقصائية، بدلاً من انطلاقها مباشرة من دور الـ16 كما كان معمولاً به سابقاً.

وأدى هذا التوسع إلى تمديد فترة البطولة بأكملها لتصل إلى 39 يوماً، أي بزيادة أسبوع كامل مقارنة بالنسخ السابقة. كما أصبحت الفواصل الزمنية بين المباريات أطول، إذ ينتظر بعض المنتخبات أسبوعاً كاملاً قبل خوض مباراتها التالية.

ويرى عدد من المتابعين أن هذه التغييرات تعكس توجهاً متزايداً نحو توسيع نطاق البطولة وتعظيم عوائدها التجارية والتسويقية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تأثير ذلك على هوية كأس العالم التقليدية وإيقاع المنافسات.

ورغم حالة الرضا التي خلفتها نتائج بعض المنتخبات في الجولة الأولى، فإن الجدل حول شكل البطولة الجديد ومستوى التدخلات التجارية فيها لا يزال مستمراً، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت كأس العالم 2026 تمثل تطوراً طبيعياً للعبة أم ابتعاداً تدريجياً عن روح كرة القدم التي اعتاد عليها الجمهور لعقود طويلة.