محرك سري وعقل تنسيقي صامت يضبط إيقاع المونديال من خلف الستار

في ليلة سبت دافئة بمدينة ميامي، وقبل أيام معدودة من انطلاق صافرة مونديال 2026، اجتمع كبار قادة الاتحاد الدولي لكرة القدم في حفل عشاء خاص. لم يكن الاحتفال لمناقشة أزمة تأشيرات أو بروتوكول أمني، بل لقطع قالب حلوى بمناسبة عيد الميلاد السبعين لرجل يصفه المقربون منه بأنه «العقل التنسيقي الصامت» الذي أنقذ البطولة من مقصلة البيروقراطية، إنه كارلوس كورديرو، المستشار الأول للجنة البيت الأبيض الخاصة بالمونديال، وشريان الاتصال الحاسم الذي يربط بين رئيس الفيفا جياني إنفانتينو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

للوهلة الأولى، قد يبدو كورديرو غريباً عن عالم المستطيل الأخضر، فهو لم يركض يوماً خلف كرة القدم في ملاعب محترفة، ولم يتدرج في أروقة الأندية. لكن قصة حياته تفسر سر نجاحه في تفكيك العقد الأمنية والدبلوماسية الأكثر تعقيداً، فقد وُلد في بومباي (مومباي الحالية) لأم كولومبية وأب برتغالي-هندي، وهاجر إلى الولايات المتحدة في سن الخامسة عشرة. وفي جامعة هارفارد العريقة، تولى دور القائد، وهو منصب لا يتطلب القوة البدنية بقدر ما يتطلب صوتاً جهوراً، وتواصلاً حاسماً، وتنافسية شرسة لتوجيه الفريق نحو الفوز، وهي الصفات ذاتها التي صقلت شخصيته القيادية لاحقاً.

قبل أن يعبر إلى الإدارة الرياضية، أمضى كورديرو عقوداً في الأسواق المالية الدولية كشريك تنفيذي في عملاق المال والأعمال «جولدمان ساكس»، حيث تعلم كيف تُدار الصفقات الكبرى تحت الضغط. دخل عالم الرياضة لأول مرة من بوابة دعم ملف نيويورك لاستضافة أولمبياد 2012، وهناك ربط علاقاته مع صناع القرار في الدوري الأمريكي للمحترفين، ليصبح عام 2006 أول مدير مستقل في الاتحاد الأمريكي لكرة القدم ضمن خطة إصلاحية واسعة.

جاءت لحظته الكبرى عام 2018، حين انتُخب رئيساً للاتحاد الأمريكي لكرة القدم عقب زلزال فشل منتخب الرجال الصادم في التأهل لمونديال روسيا. وفي الصيف نفسه، نجح كورديرو في قيادة الملف المشترك (الولايات المتحدة، المكسيك، كندا) للفوز بحق استضافة مونديال 2026. لكن كرسي الرئاسة لم يكن مريحاً، إذ عصفت بعهده معركة قانونية شرسة خاضها منتخب السيدات الأمريكي للمطالبة بالمساواة في الأجور، وهي الأزمة العاصفة التي انتهت بتقديم استقالته عام 2020، قبل أن يفشل لاحقاً في محاولة العودة للمنصب.

ورغم خروجه من الباب الضيق للاتحاد المحلي، إلا أن جياني إنفانتينو كان يعلم أن كورديرو يملك مفاتيح واشنطن التي لا يملكها أحد في زيوريخ. ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، استُدعي كورديرو مجدداً ليصبح المستشار الأول للجنة الفيدرالية المشرفة على المونديال.

تحول هاتف كورديرو على تطبيق «واتساب» إلى غرفة عمليات لا تهدأ. يتميز بقدرة غريبة على التحرك أسرع من النظام البيروقراطي المحيط به، حتى إن مساعديه يروون أنه يفضل حجز تذاكر طيرانه بنفسه فوراً بدلاً من انتظار الإجراءات الإدارية البطيئة. وقد بلغ حجم تنسيقه اليومي مع واشنطن حداً دفع أندرو جولياني، المدير التنفيذي للجنة البيت الأبيض، للممازحة في مقابلة صحفية قائلاً: «أنا أتحدث مع كارلوس أكثر مما أتحدث مع زوجتي».

تجلت عبقرية كورديرو التنظيمية في حل واحدة من أكبر العقد التي واجهت فيفا أزمة التأشيرات.

فبينما كان الفيفا يواجه بمفرده حكومة فيدرالية صارمة و11 مدينة مستضيفة، خلافاً لمونديال 1994 الذي أدارته لجنة محلية، جلس كورديرو مع مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية ليصيغ معهم نظام «فيفا باس»، وهي آلية مبتكرة وسريعة سمحت لقطاع الشؤون القنصلية بمعالجة أكثر من 5 ملايين تصريح سفر إلكتروني وتسهيل المقابلات للمشجعين والوفود بسرعة قياسية.

اليوم، حين يظهر كورديرو يدرك المطلعون على كواليس الرياضة والسياسة أن هذا الرجل، الذي يجمع في عروقه دماء من ثلاث قارات، هو المحرك الإداري والدبلوماسي الذي ضبط إيقاع المونديال الأكثر تعقيداً في التاريخ خلف الستار.