بين سحر السامبا وولاء التانغو.. «حرب اللافتات» تشعل التعصب الجماهيري في الهند


على الرغم من أن كرة القدم ليست اللعبة الأولى تاريخياً في الهند مقارنة بالكريكت، إلا أن هناك ظاهرة فريدة تجتاح شبه القارة الهندية مع كل محفل كروي عالمي. الهند لا تتابع كأس العالم فحسب، بل تنقسم حرفياً إلى معسكرين شديدي التعصب: عشاق السامبا البرازيلية ومحبّي التانغو الأرجنتيني. وفي ولايات مثل كيرالا، البنغال الغربية، وغوا، يتحول الشغف بالكرة إلى طقوس احتفالية تتفوق أحياناً على ما يحدث في أمريكا الجنوبية نفسها.


وخلال هذه الأيام التي سبقت افتتاحية مونديال 2026 تتفنن الجماهير الهندية في التعبير عن حبها لنجوم الكرة المستديرة بطرق تخطف الأنظار عالمياً، حيث تحولت الشوارع إلى معارض مفتوحة للإبداع البصري من خلال حرب اللافتات التي تحمل نكهة لاتينية خالصة. يتنافس المشجعون في القرى والمدن الهندية بنصب مجسمات كرتونية وخشبية ضخمة تصل أطوالها إلى عشرات الأمتار لنجومهم المفضلين مثل ليونيل ميسي، نيمار، والراحل دييغو مارادونا، حيث تُرفع هذه المجسمات وسط الأنهار والميادين العامة. كما تتحول جدران المنازل والمحلات التجارية إلى لوحات فنية مرسومة بدقة تحكي تاريخ الكرة البرازيلية والأرجنتينية، وتُغطى أحياء كاملة باللونين الأزرق والأبيض للأرجنتين، أو الأصفر والأخضر للبرازيل، في مشهد يعكس عمق هذا الانقسام الكروي الجميل.


ويعود هذا الارتباط الوثيق إلى عدة عوامل تاريخية ونفسية جعلت الهند تختار البرازيل والأرجنتين تحديداً. يأتي في مقدمة هذه العوامل إرث البث التلفزيوني؛ فقد دخل التلفزيون الملون إلى الهند في ثمانينيات القرن الماضي، بالتزامن مع توهج مارادونا وعودة بريق البرازيل، مما جعل الجيل الأول من المشجعين يرتبط بهما وجدانياً. يضاف إلى ذلك مفهوم «البطل الشعبي»، حيث يرى الكثير من الهنود في لاعبي أمريكا الجنوبية الذين نشأ معظمهم في ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية قصة كفاح وإصرار تشبه واقعهم، على عكس لاعبي المنتخبات الأوروبية. وأخيراً، تلعب جمالية اللعب دوراً حاسماً، فالجماهير الهندية تعشق الكرة الهجومية المعتمدة على المهارات الفردية الفذة.


وفي لفتة طريفة تعكس مدى تغلغل هذه الثقافة أفادت تقارير آسيوية إلى أن الأمر وصل ببعض العائلات في ولاية كيرالا إلى تسمية مواليدهم الجدد بأسماء مثل «ميسي» أو «نيمار». كما تباع قمصان المنتخبين في الأسواق المحلية بمعدلات قياسية تفوق أي منتج رياضي آخر، مما يثبت بوضوح أن كرة القدم في الهند لم تعد مجرد رياضة عابرة، بل تحولت إلى هوية، وعشق، واحتفال شعبي صاخب يتجاوز حدود القارات.