لو جلستَ في مقهًى قديم في روزاريو الأرجنتينية، ورأيتَ صبياً ضئيلاً يلاعب كر رثّة في زقاق ضيّق، لما خطر ببالك أنّ هذا المشهد الصغير سيكبر يوماً حتى يصير سؤالاً كونياً عن الإنسان والعصر والمعنى. ربما كان ذاك الصبيّ ليونيل ميسي، وربما تكون كرة القدم، في ظاهرها، لعب عابرة؛ غير أنّ العالم سيكتشف لاحقاً أنّ بعض الألعاب قادرة على أن تكشف ما تعجز عنه الفلسفات الكبرى.
مونديال 2026، في عمقه، عودة متكرّرة لمشهد إنساني قديم؛ حين يجتمع الناس حول مشهد واحد، مشهدِ التدافع والتنافس والصراع، يعلّقون عليه آمالهم، ويسكبون فيه أحزانهم، ويستعيرون منه إحساساً عابراً بالانتماء. ففي عالم مزّقته الشاشات الصغيرة، وفرّقته الخوارزميات، ودفعت كلّ فرد إلى عزلته الخاصة، يصبح المونديال واحداً من آخر المسارح التي تقترح على البشرية أن تشاهد الشيء ذاته في اللحظة ذاتها.
هنا تتجاوز كرة القدم كونها لعبة، فتصير مرآة. وفي هذه المرآة يرى البشرُ حاجتهم القديمة إلى البطولة والجمال والانتصار والرمز والمعنى، قبل أن يروا اللاعبين أنفسهم.
منذ ستينيات القرن الماضي، كتب الفيلسوف الفرنسي غي ديبور في «مجتمع المشهد» أنّ الحياة الحديثة تحوّلت إلى تمثيل وصورة وعرض. لم تكن عبارته عن كرة القدم، لكنّها تبدو اليوم كأنّها كُتبت لمونديال هذا العصر. فكلّ شيء في البطولة الكبرى قابل لأن يتحوّل إلى مشهد: الهدف، والدموع، والنشيد، والزعيم في المقصورة، واللاعب في وداعه الأخير، والجمهور الذي يصرخ باحثاً في الكرة عن دليل مؤقّت على أنه ما يزال جزءاً من شيء يجمعه.
وما يميّز مونديال 2026، في هذه القراءة، أنه يجمع بين صورتين كبيرتين للحضور في العالم المعاصر: ميسي بوصفه سحراً كروياً صامتاً، وترامب بوصفه سياسياً نادراً أدرك أنّ الصورة قد تسبق الحقيقة. والمقارنة هنا تتجاوز ثنائية اللاعب والرئيس، أو الرياضة والسياسة، إلى طريقتين مختلفتين لفرض الحضور في زمن صار فيه الحضور نفسه بديلاً خطيراً عن القيمة والمعنى.
مسرح لا يشيخ
احتاج الإنسان، منذ فجر التاريخ، إلى مسرح؛ مكان يجتمع فيه مع غيره حول حكاية تتجاوزه. في اليونان القديمة كان مسرح التراجيديا والملحمة، وفي روما كان المسرح حلب ومصارعين، ورغم تعدّد المسارح في العصر الحديث، فرضت ملاعب كرة القدم نفسها ضمن أعظم المسارح الإنسانية.
كانت المأساة عند اليونانيين تمنح الإنسان درساً إنسانياً تتوارثه الأجيال، أمّا الملعب الحديث فيمنحه شعوراً طالما بحث عنه؛ ألا وهو الاتّصال الإنسانيّ. فتسعون دقيقة تكفي لأن يشعر الملايين بأنّهم على قلب واحد، وإن اختلفوا في السياسة والدين واللغة والمصالح. وفي تلك اللحظة الغريبة، تصبح كرة القدم مشهداً عابراً للحدود، أقدرَ على جمع البشر ممّا تفعل الخطب والبيانات والنداءات الأخلاقية. فالإنسان يحتاج، فوق العقل والسياسة والاقتصاد، إلى الرمز وإلى الدهشة وإلى لحظة يعلّق فيها واقعه اليوميّ على حافّة هدف ممكن. ومن هنا تأتي قوّة كأس العالم؛ إنه يمنح البشرية هدن قصيرة تجتمع تحتها.
ميسي.. سحر الموهبة
ثمّة أشياء في ميسي تستعصي على التفسير الرياضيّ وحده. يستطيع المحلّل أن يتحدّث عن التوازن والرؤية وسرعة القرار والزوايا المستحيلة التي يمرّ منها بين المدافعين، لكنّ ذلك كلّه لا يفسّر تماماً تلك اللحظة التي تلامس فيها الكرةُ قدمه، فيصمت العالم لثوان يراقب معجز نادرة تحدث أمامه.
ميسي يمرّ خلال العالم بخفّة أكثر ممّا يقتحمه. لا يحتاج إلى صراخ كي يثبت وجوده، ولا إلى استعراض جسديّ كي يفرض سلطته؛ فقوّته في سحر قدميه. يأتي هادئاً، ثمّ يترك أثره في الذاكرة لقط ساحرة. وفي حضارة تنتج الضجيج بكمّيات هائلة، يصبح الصمت النبيل ضرباً من المقاومة. وميسي، بهذا المعنى، يذكّر الإنسان بأنّ الجمال ما يزال قادراً على إسكات الصخب، ويردّ للّعبة شيئاً من طفولتها الأولى، قبل أن تبتلعها الإعلانات والعقود والرهانات وتحويل اللاعبين إلى مؤسّسات تجارية تركض على قدمين.
وإذا كان مونديال 2026 أحد فصول ميسي الأخيرة في كأس العالم، فإنّ قيمته تتجاوز النتيجة وحدها؛ فالنهايات الجميلة تملك سطو خاصّة على الوجدان، تُسطّر ملحمة انتصار أو خيبة ترافق الوداع. وقد يكون وداع ميسي، إن حدث، وداعاً لفكرة اللاعب الفنّان، ذاك الذي يشرح نفسه بترك قدميه تراقص الكرة.
يمثّل ميسي الطريق الأوّل للحضور؛ والمتمثل في أن تكون مرئياً لأنك جميل في فعلك، لا لأنك تصرخ أكثر من الآخرين. وفي زمن صار فيه الوجود مشروطاً بالظهور، تبدو هذه رسال نادرة.
ترامب.. سياسة الاستعراض
ثمّ يأتي الوجه الثاني للمشهد؛ دونالد ترامب، حاضراً كرئيس لإحدى الدول المستضيفة لمونديال 2026. وترامب من أكثر السياسيين المعاصرين إدراكاً لقانون العصر الجديد؛ من يملك المشهد يصنع جزءاً كبيراً من الحقيقة العامة.
السياسة، في أصلها، فضاء للظهور. هذا ما فهمته حنّا أرندت حين رأت أنّ الإنسان يصبح سياسياً حين يظهر أمام الآخرين، ويتكلّم، ويفعل، ويُرى. لكنّ السياسة في عصر الصورة صارت تميل إلى تحويل الظهور نفسه غاي قائمة بذاتها. ويتعامل ترامب مع الصورة بوصفها جزءاً من السياسة نفسها، لا أدا تابعة لها؛ فخطابه وحركاته وصداماته وعباراته القصيرة وعلاقته بالإعلام عناصرُ في عرض طويل لا يكاد ينقطع. لذلك سيكون مونديال 2026، بحكم انعقاده في الولايات المتحدة إلى جانب كندا والمكسيك، قابلاً لأن يتحوّل إلى مساحة سياسية هائلة؛ زعماء، وكاميرات، وجماهير، ومدن، وأعلام، واقتصاد ضخم للصورة.
وتوظيف الدول الكبرى للأحداث الرياضية أمر قديم؛ فمنذ زمن بعيد استخدمت السياسة الملاعب لتقديم صورتها عن القوّة والتنظيم والهيبة. لكنّ الجديد أنّ الحدود بين السياسة والاستعراض لم تَعُد واضحة كما كانت. والسؤال هنا يتعلّق بما يمثّله ترامب: فحين يصبح كلّ حدث عالميّ فرص لتثبيت صورة الزعيم، أين يمكن للمواطن أن يهرب من السياسة قليلاً؟ وحين يصبح الملعب امتداداً للمنصّة، والشاشة امتداداً للحملة، والجمهور جزءاً من المشهد، هل تبقى الرياضة مساح بريئة للفرح، أم تتحوّل إلى فصل جديد من فصول صناعة النفوذ؟
يمثّل ترامب الطريق الثاني للحضور والمتمثل في أن تكون مرئياً لأنك تتحكّم في الصورة وتفرض إيقاعك على المجال العام. وهو أكثر الطرق التباساً، إذ يستغني أحياناً عن الجمال والإنجاز معاً، ويكتفي بالقدرة على شدّ الانتباه والاستحواذ عليه.
الحضور ومعناه
بين ميسي وترامب خيط خفيّ، ويلتقيان في نقطة واحدة؛ هي أن كلاً منهما أقنع العالم بوجوده بطريقة ما. أقنع ميسي العالم بجمال الموهبة، وأقنعه ترامب بقوّة الحضور والفعل السياسيّ الفريد. ولعلّ هذا ما يجعل اجتماعهما الرمزيّ في مونديال 2026 كاشفاً لحالة أعمق من كرة القدم والسياسة معاً؛ فنحن نعيش زمناً صار فيه الحضور قيم شبه مطلقة: أن تُرى، وأن تُتابَع، وأن تُعلَّق صورتك في ذاكرة الجمهور، وأن يصبح اسمك اختصاراً لمعنى ما، كلّ ذلك صار في ذاته نوعاً من النجاح.
وهنا يبدأ القلق.. فحين يصبح الحضور أهمّ من القيمة، والصورة أهمّ من المعنى، والقدرة على جذب الانتباه أهمّ من مضمون ما يُقال أو يُفعل، نكون أمام تحوّل خطير في معايير الحضارة. صار السؤال؛ كم يشغل هذا الإنسان من مساحة في الوعي العام؟ بعد أن كان "ماذا يمثّل؟".
وهذا التحوّل يتجاوز النجوم إلى الإنسان العاديّ. فالموظّف والكاتب والطالب والمؤثّر ورائد الأعمال يعيشون، بدرجات متفاوتة، تحت ضغط الظهور: على كل منهم أن يقدّم نفسه، ويسوّق ذاته، ويحافظ على صورته، ويقيس أثره؛ كأنّ سؤال العالم للإنسان تحوّل من «من أنت؟» إلى «كيف ظهرت؟ وكم شخصاً انتبه إليك؟».
ومن هنا يصبح المونديال مرآة ضخمة للإنسانية؛ فيه نرى حاجتنا إلى الجمال كما يجسّدها ميسي، وحاجتنا الملتبسة إلى السلطة والصورة كما يجسّدها ترامب، ونرى فوق ذلك كلّه خوفنا العميق من أن نكون عابرين بلا أثر.
لماذا نحتاج إلى كأس العالم؟
نبّه الفيلسوف الكنديّ تشارلز تايلور إلى أنّ الإنسان الحديث يعاني ضعفاً في المعنى بعد تراجع الإجابات الكبرى التي كانت تمنحه تفسيراً كلّياً للحياة. لم تَعُد الجماعات الحديثة متّفق على قصّة واحدة، ولا على غاية واحدة، ولا على أفق روحيّ أو أخلاقيّ جامع. وفي هذا الفراغ، تتقدّم الأحداث الكبرى لتملأ بعض المساحات.
وكأس العالم يمنح بديلاً مؤقّتاً عن معنى نهائي غائب؛ أربعة أسابيع يشعر فيها الإنسان بأنّ للعالم إيقاعاً مشتركاً. هناك مباريات تنتظر، وفرق تمثّل الذاكرة والجغرافيا، ولاعبون يتحوّلون إلى أبطال، وأهداف تصير علامات في حياة الناس. يسأل أحدهم بعد سنوات؛ أين كنت يوم سُجِّل ذلك الهدف؟ فيتذكّر المكان والوجه والصوت ورجفة القلب.
هنا تتجلى قوّة المونديال؛ يصنع ذاكرة جماعية في زمن تقمع سرعته الذكريات. لكنّه يؤجّل السؤال ولا يلغيه؛ فما إن تنتهي البطولة حتى يعود الإنسان إلى وحدته الأولى. لذلك يبدو المونديال أشبه بعلاج مؤقّت لوهن المعنى؛ يمنح البشر فرص للانتماء إلى ما يتجاوزهم، دون أن يجيب نياب عنهم عن أسئلتهم الأعمق.
مرآة الكرة
سيُقام مونديال 2026، وستمتلئ الملاعب، وسترتفع الأعلام، وستتّجه الكاميرات إلى الوجوه ذاتها التي يعرفها العالم أو ينتظرها. قد نشهد وداعاً مؤثّراً لميسي، وقد يحضر ترامب بوصفه رئيساً يعرف جيّداً كيف تتحوّل الأحداث الكبرى إلى صور سياسية مدوّية. ستُسجَّل الأهداف، وستبكي جماهير، وستفرح أخرى، ثمّ ترفع الكأس في النهاية يد واحدة.
لكنّ الأهمّ سيكون السؤال الذي تتركه البطولة وراءها؛ ماذا كنّا نشاهد حقاً؟ هل كنّا نشاهد كرة القدم، أم جوع الإنسانية إلى معنى مشترك؟ هل كنّا نتابع ميسي لأنه لاعب عظيم، أم لأنّ جماله يطمئننا إلى أنّ مواهب الإنسانية لم تنضب؟ هل كنّا نراقب ترامب لأنه رئيس الدولة المضيفة، أم لأنه يكشف كيف صارت السياسة نفسها فرعاً من فروع المشهد المُعَدّ مسبقاً؟
وفي هذه الأسئلة وحدها تكتمل صورة المرآة؛ تُرينا الكرة، نحن المتعبين المشتّتين، كم نحتاج أن نجتمع، ولو للحظة عابرة، حول شيء يتجاوزنا.




