بنود غريبة في عقود تأمين النجوم «3-3»


في عالم كرة القدم والرياضة عموماً، لا تقتصر الثروة التي يملكها النجوم على العقود الضخمة، والسيارات الفارهة، والمنازل الفاخرة، والحسابات المصرفية، فأحياناً، يتحول جزء من جسد الرياضي نفسه إلى أصل مالي يستحق التأمين عليه بمبالغ تقترب من قيمة أندية بأكملها.


ومن الشعر إلى الساقين والقدمين والأصابع واليدين، وحتى الشارب والإبهامين، وصلت قائمة الأجزاء التي قرر نجوم الرياضة حمايتها بـ«بوالص» تأمين خاصة إلى حدود غير متوقعة، ووصفت بأنها من أغرب صفقات التأمين الرياضي.


وكان النجم الإنجليزي السابق واين روني أحدث الأسماء التي دخلت هذه القائمة، بعدما قرر تأمين شعره، عقب خضوعه لعمليتي زراعة شعر قبل أكثر من عقد، ليلتحق بمجموعة من الرياضيين الذين تعاملوا مع أجزاء محددة من أجسادهم باعتبارها أصولاً لا تقل قيمة عن أي استثمار آخر.


وفي مقدمة القائمة، تبرز أسماء مثل ديفيد بيكهام، وكريستيانو رونالدو، وليونيل ميسي، وإيكر كاسياس، ومانويل نوير، وفرناندو ألونسو، وكيران لي، وميرف هيوز، بعدما اتخذ كل منهم، في فترات مختلفة، خطوات لحماية الجزء الذي يمثل قيمة خاصة في مسيرته أو صورته العامة.


ملحق العقود
يشدد وليد الشامسي، وكيل اللاعبين، على أهمية مراجعة البنود الملحقة بالعقود، خصوصاً ما يتعلق بتكاليف العلاج والتأهيل، والراتب أثناء الغياب، والتعويض في حالات العجز الكلي أو الجزئي، فالتغطية الشاملة التي تشمل العلاج لا تعني تلقائياً أن الوثيقة تغطي جميع الرواتب أو كل مراحل التأهيل.


وهنا يبرز نوع آخر من التغطيات، يتمثل في التأمين الإضافي على أجزاء محددة من الجسم، وهو ما يسلط وليد الشامسي الضوء عليه، موضحاً أن اللاعبين المميزين وأصحاب العقود والقيم السوقية المرتفعة قد يطلبون إدراج تأمين خاص على القدم أو الركبة أو غيرهما من الأجزاء التي تمثل أهمية استثنائية لمسيرتهم.


ويقول الشامسي إن هذه التغطيات يمكن أن تضاف إلى العقد باتفاق خاص، على أن يتحمل النادي أو اللاعب تكلفة الوثيقة وفقاً لما يتم الاتفاق عليه، ولا تعني هذه التغطيات بالضرورة اقتطاع مبالغ من راتب اللاعب، فالأمر يرتبط بترتيبات التعاقد وقيمة الأقساط والجهة التي تتحملها.


ويضيف أن حراس المرمى قد يهتمون بصورة خاصة بالتغطيات المتعلقة باليدين والرأس، بالنظر إلى طبيعة مركزهم والمخاطر المرتبطة به، وأوضح أن شركة «لويدز لندن» من الأسماء المعروفة في مجال التأمين المتخصص، بما في ذلك تغطيات المخاطر غير التقليدية، لكن شروط التأمين على الرياضيين وقيمته لا تحدد بمجرد شهرة اللاعب أو قيمة عقده، بل تخضع لتقييم المخاطر وشروط الوثيقة والاستثناءات وحدود التعويض.


ويشير الشامسي إلى أن تأمين لاعب بمبلغ ضخم، يصل إلى عشرات الملايين من الدولارات، قد يستلزم أقساطاً مرتفعة، نظراً إلى حجم التعويض المحتمل عند تحقق الخطر المؤمن عليه، ولا يمثل هذا النوع من التأمين إجراءً معتاداً لجميع اللاعبين، بل يرتبط بحالات خاصة واتفاقات تتناسب مع القيمة المهنية والمالية للاعب.


ويشير الشامسي إلى برنامج حماية الأندية التابع للاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، يوفر تعويضات للأندية في حالات محددة تتعلق بإصابات اللاعبين خلال المشاركات الدولية، وفقاً لشروط البرنامج وحدود التغطية المعتمدة.


صعوبات النجوم
بينما كشف ريكاردو بينتو، المدير التنفيذي لنادي الاتفاق الإماراتي، عن صعوبات تواجه النادي في توفير التأمين للاعبين أصحاب الأسماء الكبيرة، في ظل محدودية الخيارات المتاحة محلياً للحصول على وثائق تأمين تتناسب مع طبيعة عقودهم ومتطلباتهم الخاصة.


وقال بينتو إن النادي يبحث عن حلول تأمينية خارج الدولة، خصوصاً لدى شركات في إيطاليا والمملكة المتحدة، موضحاً: «من الصعب العثور على هذا النوع من التأمين هنا، لأن شركات التأمين لا توفر على حد علمي، خدمات متخصصة تلبي احتياجات اللاعبين النجوم، ولم أتمكن من العثور عليها حتى الآن».


وأضاف أن التعاقد مع لاعبين بارزين يتطلب تلبية شروط محددة تتعلق بالتأمين، مشيراً إلى أن بعض اللاعبين يشترطون إدراج بنود خاصة في عقودهم، يتعين على النادي الالتزام بها، موضحاً أن توفير التأمين للاعبين يعد إلزامياً بموجب عقود الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، مؤكداً أن النادي يعمل على استيفاء المتطلبات التعاقدية المتعلقة بهذا الجانب.


وعن تكلفة التأمين على النجوم، أوضح الرئيس التنفيذي للاتفاق أن قيمة التأمين تختلف من لاعب إلى آخر، وترتبط أساساً بحجم راتبه، قائلاً: «تكلفة التأمين تحدد بناءً على راتب اللاعب».


حماية المظهر
قد يكون من السهل فهم دوافع شخصية عامة مثل ديفيد بيكهام وراء حماية مظهره، خصوصاً أن نجم مانشستر يونايتد وريال مدريد السابق لم يكن مجرد لاعب كرة قدم شهير.


وعرف بيكهام بقدرته على التسديد، لكنه تحول أيضاً إلى رمز للجاذبية، وعارض أزياء، ورجل أعمال وشخصية عالمية، ولذلك لم يكن غريباً أن تتجه بوليصة التأمين الخاصة به إلى ما هو أبعد من مجرد ساقين يستخدمهما في لعب كرة القدم.


وفي عام 2006، أبرم بيكهام صفقة تأمين بقيمة 100 مليون جنيه إسترليني، غطت ساقيه وقدميه وأصابع قدميه، إضافة إلى مظهره ووجهه، وفي ذلك الوقت، اعتبرت الصفقة أكبر بوليصة تأمين شخصية في تاريخ الرياضة.


وتشير تقارير أخرى إلى أن قيمة التأمين على قدمي بيكهام بلغت نحو 195 مليون دولار، وهو رقم يجعل قيمة التأمين أعلى من قيمة بعض الأندية الأوروبية، وهكذا، لم يكن بيكهام يؤمن فقط على الأداة التي صنعت جزءاً كبيراً من شهرته داخل الملعب، وإنما على الصورة التي أصبحت جزءاً من علامته التجارية خارج المستطيل الأخضر أيضاً.


ثروة رونالدو وميسي
إذا كان بيكهام قد وضع معياراً مرتفعاً للتأمين الرياضي، فإن نجمي الجيل التالي، البرتغالي كريستيانو رونالدو والأرجنتيني ليونيل ميسي، رفعا السقف بصورة هائلة، فاللاعبان، اللذان يعدان من أعظم نجوم كرة القدم على مر العصور، اعتمدا بصورة أساسية على ساقيهما في صناعة مسيرتيهما الاستثنائيتين، ولذلك لم يكن مفاجئاً أن تصبح الساقان من أهم الأصول التي حرصا على حمايتها.


وتشير التقارير إلى أن ريال مدريد أمن على ساقي كريستيانو رونالدو بنحو 144 مليون دولار عندما كان النجم البرتغالي لاعباً في صفوف «الملكي»، فيما تذكر تقارير أخرى أن قيمة صفقة التأمين بلغت حوالي 109 ملايين جنيه إسترليني، لتتجاوز بذلك قيمة بوليصة بيكهام.


أما ميسي، فتتحدث التقارير عن رقم أكثر إثارة، إذ يبلغ التأمين على قدمه اليسرى فقط 750 مليون يورو، بينما قدرت قيمة بوليصته في تقارير أخرى بنحو 682 مليون جنيه إسترليني، وتكشف هذه الأرقام عن حجم القيمة الاقتصادية المرتبطة بأقدام نجوم كرة القدم، خصوصاً أن الأمر لا يتعلق فقط بخطر الإصابة، وإنما بحماية استثمار رياضي وتجاري ضخم يرتبط بعقد اللاعب، وقيمته التسويقية، وقدرته على المشاركة في المباريات.


وكان ميسي ورونالدو من بين اللاعبين الأعلى أجراً في العالم، ولا يزال ذلك حاضراً حتى اليوم، إذ يحصل رونالدو على راتب يبلغ 227 مليون جنيه إسترليني في نادي النصر، بينما يحصل ميسي على نحو 102 مليون جنيه إسترليني في إنتر ميامي الأمريكي، وبالتالي كان من المفهوم أن يحرص النجمان على حماية الأصل الذي ساعدهما في بناء مسيرتهما، خصوصاً في ظل احتمال أن تؤدي إصابة خطيرة إلى إنهاء مسيرتهما قبل موعدها.


أموال التأمين

رغم ضخامة هذه الأرقام، فإن هناك تفصيلاً مهماً قد يغيب عن الصورة عند الحديث عن التأمين على أجساد نجوم كرة القدم، فهذه الأموال ليست بالضرورة للاعب في حال تعرضه للإصابة، وإنما تكون للنادي أو الجهة المؤمنة وفق شروط الوثيقة.


أي إن الهدف الأساسي من مثل هذه البوالص هو حماية القيمة المالية المرتبطة باللاعب، وتقليل الخسائر التي قد يتعرض لها النادي إذا حالت إصابة اللاعب دون مشاركته أو أدت إلى فقدان خدماته.


وفي كرة القدم، تختلف الأصول الثمينة باختلاف المركز، فاللاعب المتخصص في تنفيذ الركلات الحرة يحرص على قدميه وأصابعه، والمهاجمون الأسطوريون يحمون أرجلهم، بينما يعرف حراس المرمى جيداً أن أيديهم هي رأسمالهم الأول، وهنا يظهر الحارسان الأسطوريان إيكر كاسياس ومانويل نوير.


وكان كاسياس، أسطورة ريال مدريد، أول من اتخذ هذه الخطوة في عام 2007، عندما وقع عقد تأمين بقيمة 6 ملايين جنيه إسترليني لحماية يديه من أي حادث قد يؤثر في قدرته على ممارسة كرة القدم.


وبعد سبع سنوات، حذا الألماني مانويل نوير حذوه، بعدما توج مع منتخب ألمانيا بكأس العالم عام 2014، وكلفت بوليصة نوير حوالي 2.5 مليون جنيه إسترليني، لكنها لم تكن مفعلة لمجرد تعرضه لأي مشكلة بسيطة في اليدين، إذ لم يبدأ التأمين بالتدخل إلا إذا تعرض لإصابة تمنعه من اللعب حارس مرمى على المستوى الاحترافي، وهكذا، أصبح ما يملكه الحارس بين يديه حرفياً جزءاً من قيمة اقتصادية قابلة للتأمين.


8.5 ملايين جنيه إسترليني
في رياضة مختلفة، لم يختر نجم الفورمولا 1 فرناندو ألونسو تأمين ساقيه أو يديه بالكامل، وإنما اختار شيئاً أكثر تحديداً «إبهاميه»، وفي عام 2012، عندما كان يقود لصالح فريق فيراري، أبرم ألونسو صفقة تأمين على إبهاميه بقيمة تقترب من 8.5 ملايين جنيه إسترليني.


ولكن المفاجأة أن ألونسو لم يدفع قيمة التأمين بنفسه، إذ كانت البوليصة هدية من البنك الراعي لفريق فيراري، ولكن الصفقة اتضح أنها كانت أيضاً جزءاً من حملة دعائية لبوالص التأمين ضد الحوادث والتأمين على الحياة.


ولا تتوقف غرائب التأمين الرياضي عند كرة القدم أو الفورمولا 1، إذ دخل لاعب الكريكيت الأسترالي السابق ميرف هيوز القائمة بسبب أكثر سماته تميزاً «شاربه»، وكان هيوز أحد نجوم فرق الكريكيت الأسترالية المحبوبين خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وخاض 53 مباراة تجريبية و33 مباراة دولية ليوم واحد.


ولكن الشارب الذي أصبح جزءاً من صورته الشهيرة كان هو العنصر الأكثر لفتاً للأنظار، وتشير التقارير إلى أن هيوز قام بتأمين شاربه المميز بحوالي 200 ألف جنيه إسترليني، ليصبح الشارب، مثل القدم أو الساق أو اليد أو الإبهام، أصلاً رياضياً وشخصياً له قيمة يمكن وضع بوليصة تأمين عليها.


وبينما قد يبدو تأمين أجزاء من الجسد أمراً استثنائياً، فإن قائمة الرياضيين الذين فعلوا ذلك تكشف عن منطق واضح يجمع بينهم، وهو حماية الجزء الأكثر ارتباطاً بقيمة اللاعب الرياضية أو التجارية.


واختار واين روني شعره بعد عمليات زراعة الشعر، وبيكهام جمع بين الساقين والقدمين وأصابع القدم والمظهر، بينما ارتبطت ثروة رونالدو وميسي بساقيهما وقدميهما، واختار كاسياس ونوير أيديهما، فيما كان إبهاما ألونسو محور صفقة منفصلة، وتحول شارب ميرف هيوز إلى أصل مؤمن عليه.


وفي النهاية، تبدو الفكرة واحدة رغم اختلاف الأرقام والأجزاء، ففي الرياضة الاحترافية، قد تكون القدم، أو اليد، أو الإبهام، أو الشعر، أو حتى الشارب، جزءاً من رأسمال النجم، وعندما تصل قيمة هذا الرأس المال إلى مئات الملايين، يصبح التأمين عليه بالنسبة لبعض الرياضيين أكثر من مجرد رفاهية، بل وسيلة لحماية صناعة كاملة بنيت حول جزء من الجسد.