التأمين الرياضي.. منظومة معقدة تحمي اللاعبين من الإصابات وفقدان الرواتب «1- 3»


بين تأمين العلاج وحماية الرواتب والتعويض عن الإصابات الخطيرة تتعدد وثائق التأمين في كرة القدم، لكن التفاصيل الصغيرة في العقود قد تصنع الفارق بين حماية اللاعب وتحميل النادي فاتورة الغياب الطويل.


وإصابة واحدة قد تحرم لاعباً من الملاعب أشهراً، وأخرى قد تنهي مسيرة احترافية امتدت سنوات، فيما يستمر النادي في مواجهة التزاماته المالية، وقد يكون مطالباً بدفع راتب لاعب لا يستطيع المشاركة.


وبين تكلفة الجراحة وبرامج التأهيل والمستحقات الشهرية واحتمالات العجز الدائم يتحول التأمين الرياضي إلى ملف يتجاوز حدود العلاج، ليصبح جزءاً أساسياً من إدارة المخاطر المالية في كرة القدم الحديثة.


رواتب محدودة

وفي الوقت الذي كانت فيه كرة القدم الإماراتية، قبل عقود، تعيش ظروفاً مختلفة، مع رواتب محدودة وإمكانات طبية أقل، أصبحت الأندية اليوم أمام منظومة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها وثائق التأمين والعقود الاحترافية، وشركات التأمين ووكلاء اللاعبين، إلى جانب برامج الحماية الخاصة بإصابات اللاعبين خلال المشاركات الدولية.


ويكشف أصحاب الخبرة في الإدارة الرياضية عن تعدد أشكال التأمين، واختلاف مستويات الحماية، وأهمية التدقيق في البنود التي تحدد من يدفع تكاليف العلاج، ومن يتحمل الرواتب، ومتى تنتهي مسؤولية شركة التأمين، في الوقت نفسه الذي يوضحون فيه جانباً من واقع اللاعبين في الماضي، لتضع التحولات التي شهدتها اللعبة أمام سؤال: هل أصبحت الحماية التأمينية تواكب القيمة المالية المتصاعدة للاعب المحترف؟


أنواع التأمين
يحدد أحمد خليفة حماد، المدير التنفيذي السابق لنادي شباب الأهلي، ثلاثة أنواع رئيسية للتأمين في الأندية، وهي التأمين الصحي المعتاد، والتأمين على الإصابات الرياضية، والتأمين على الرواتب خلال فترات الإصابة والغياب.


وأوضح أن النوع الأول يغطي الاحتياجات الطبية، والأمراض المعتادة، على غرار التأمين الصحي المتاح للأفراد، بينما يرتبط النوع الثاني بالإصابات الناتجة عن ممارسة كرة القدم، وفقاً للأنشطة والفترات المحددة في وثيقة التأمين، أما النوع الثالث فيستهدف توفير حماية مالية مرتبطة برواتب اللاعبين، عندما تستمر الإصابة لفترة طويلة، وتتحقق الشروط المنصوص عليها في الوثيقة.


ويؤكد حماد أن الفارق لا يكمن في اسم التأمين وحده، بل في تفاصيل التغطية، فإصابة اللاعب خلال مباراة رسمية أو تدريب مشمول بالوثيقة قد تكون مغطاة، بينما قد تقع إصابة أخرى خارج نطاق الحماية إذا حدثت أثناء نشاط غير مدرج ضمن الاتفاق، مثل بعض البطولات الودية أو ممارسة كرة القدم خارج الأنشطة المعتمدة، ومن هنا لا يكفي أن يمتلك النادي وثيقة تأمين، بل يجب أن يعرف بدقة الأنشطة التي تشملها، والإصابات المستثناة منها، والجهة المسؤولة عن العلاج، وحدود التعويضات التي يمكن المطالبة بها.


اتفاقات مبرمة

ويشير محمد علي الغيثي، المدير التنفيذي السابق لنادي النصر، إلى أن اللاعبين قد يعتمدون على التأمين الذي يوفره النادي، بينما يمتلك بعض أصحاب العقود الكبيرة تغطيات خاصة أوسع، بحسب الاتفاقات المبرمة، وقد تتطلب بعض الحالات دفع تكاليف العلاج أولاً، ثم تقديم الفواتير والمستندات اللازمة لاسترداد المبالغ المستحقة، في حين يمكن أن تتولى شركة التأمين سداد التكاليف مباشرة إلى المستشفى في حالات أخرى، وبالتالي تختلف آلية تسوية المطالبات بين وثيقة وأخرى، فلا توجد طريقة واحدة تنطبق بالضرورة على جميع الأندية واللاعبين.


أهمية الراتب
لا تتوقف الخسائر التي تسببها الإصابة عند تكاليف الجراحة والتأهيل، ففي العقود الاحترافية قد يمثل الراتب الشهري بنداً مالياً كبيراً، خصوصاً عندما يبتعد اللاعب عن الملاعب أشهراً عدة، أو يمتد غيابه إلى ما بعد نهاية الموسم.


ويوضح الغيثي أن التأمين على الرواتب يمكن أن يتضمن شروطاً، تبدأ بموجبها التغطية بعد مرور فترة محددة من الإصابة، قد تكون شهراً أو ثلاثة أشهر أو مدة أخرى يتفق عليها النادي وشركة التأمين، ولكن هذه الترتيبات ليست قاعدة موحدة، إذ تتحدد وفق الوثيقة والعقد، كما يجب التمييز بين التزام النادي بدفع راتب اللاعب، والتزام شركة التأمين بتعويض النادي عن خسائر معينة.


ويشير الغيثي إلى أن بعض العقود تتضمن أحكاماً خاصة بالراتب خلال الإصابة، وقد تختلف المستحقات من مرحلة إلى أخرى، بحسب الشروط المتفق عليها، وهو ما يبرز ضرورة عدم الخلط بين الراتب الذي يستحقه اللاعب بموجب عقده، والتعويض التأميني الذي قد يحصل عليه النادي.


وبيّن أن من تلك الشروط تدرج تخفيض الراتب حسب طول فترة الإصابة، ليحصل اللاعب مثلاً على راتب شهر كامل في أول الإصابة، ثم ثلاثة أرباع الراتب، فنصف الراتب مع تجاوز فترة العلاج ثلاثة أشهر، ولكن هذا يتوقف بالطبع على بنود التعاقد.


تأمين القدم
في كرة القدم الاحترافية لا تتساوى جميع الإصابات في تأثيرها على مستقبل اللاعب، فقد تكون إصابة عابرة لا تتجاوز أسابيع، بينما يمكن أن تهدد إصابة خطيرة في الركبة أو القدم القدرة على العودة إلى المستوى السابق، أو حتى مواصلة المسيرة الاحترافية.


ولا تعتمد شركات التأمين على راتب اللاعب وحده عند تقييم المخاطر، فالعمر والحالة الصحية والتاريخ الطبي وسجل الإصابات وطبيعة التغطية المطلوبة، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في شروط الوثيقة، وقيمة قسطها.


ويوضح حماد أن شركات التأمين قد تطلب فحوصاً وتقارير طبية قبل الموافقة على التغطية، بهدف تقييم الحالة الصحية، والمخاطر المرتبطة بها، وتحديد الشروط التي يمكن أن توافق على أساسها.


ويشبّه حماد الأمر بالتأمين على السيارات، حيث تختلف تكلفة تأمين سيارة مرتفعة القيمة عن سيارة عادية، وفقاً لقيمة الأصل والمخاطر وشروط الوثيقة، وينطبق مبدأ تقييم المخاطر على التأمين الرياضي أيضاً، مع اختلاف طبيعة الخطر، وتفاصيل التغطية.


وتزداد أهمية هذه المعايير عندما يتعلق الأمر بلاعب سبق أن تعرض لإصابات خطيرة أو يحتاج إلى تأمين يغطي مخاطر محددة، فالتاريخ الطبي قد يؤثر في قبول التغطية أو شروطها أو الاستثناءات التي تتضمنها، وفقاً لتقييم شركة التأمين، ومن هنا تصبح مراجعة الوثيقة قبل توقيع العقد خطوة أساسية، لا سيما عندما تكون القيمة التأمينية مرتفعة أو عندما يطلب اللاعب حماية إضافية، تتجاوز التأمين الأساسي الذي يوفره النادي.


وتظهر إحدى أعقد المسائل عندما يصاب اللاعب قبل أشهر من نهاية عقده، ثم تستمر فترة العلاج والتأهيل إلى ما بعد انتهاء الارتباط بالنادي.


ويشير حماد إلى أن التأمين قد يبرم لمدة سنة أو سنتين أو ثلاث، أو يجدد سنوياً، بحسب سياسة النادي والاتفاق مع شركة التأمين، وقد تتعقد المسألة إذا انتهى العقد أو الوثيقة فيما لا يزال اللاعب يخضع للعلاج.


وأكد أنه لا يمكن افتراض أن انتهاء عقد اللاعب ينهي تلقائياً جميع الالتزامات المتعلقة بإصابته، كما لا يمكن افتراض استمرار كل التغطيات إلى أجل غير محدد، فالحسم يتوقف على تاريخ وقوع الإصابة، ونطاق الوثيقة، وشروط استمرار التغطية، والالتزامات التعاقدية والقواعد المنظمة للعلاقة بين النادي واللاعب.


ويؤكد حماد أن هذه الحالات قد تتطلب تسوية بين الأطراف، أو اللجوء إلى المسارات القانونية عند تعذر الاتفاق، ما يجعل وضوح البنود المتعلقة بالإصابات الممتدة أمراً مهماً لتجنب النزاعات والأعباء المالية غير المحسوبة.


إصابات المنتخبات
لا تنتهي مخاطر الإصابة عند حدود مباريات النادي، فاللاعب المحترف قد يتعرض للإصابة أثناء مشاركته مع منتخب بلاده، ما يفتح باب التساؤلات بشأن الجهة التي تتحمل التكاليف والخسائر المالية الناتجة عن غيابه.


ويختلف هذا البرنامج عن التأمين الفردي الذي قد يحصل عليه اللاعب ويشمل جزءاً محدداً من جسمه، كما لا يعني وجوده أن كل إصابة دولية تؤدي تلقائياً إلى تعويض النادي، إذ يجب تحقق شروط البرنامج، بما فيها طبيعة الإصابة والفترة التي تستوجب التعويض والحدود المالية المقررة.


ويوضح حماد والغيثي أن مسؤولية العلاج والتغطية في إصابات المنتخبات تتوقف على الوثائق والاتفاقات ذات الصلة، ولذلك ينبغي التمييز بين التأمين الذي يوفره النادي، والتغطية التي قد تشمل أنشطة المنتخب، وأي برنامج تعويض دولي تنطبق شروطه على الحالة، والقاعدة الأساسية هنا أن وجود اللاعب مع المنتخب لا يكفي وحده لتحديد الجهة المسؤولة، بل يجب الرجوع إلى الوثيقة المعنية وشروطها، والبرنامج الذي يمكن أن ينطبق على الإصابة.


بُعد آخر
في حين تمنح شهادة يوسف عزير، رئيس أكاديمية شباب الأهلي عضو مجلس إدارة شركة الكرة بالنادي، بعداً آخر، إذ تستعيد جانباً من واقع اللاعبين قبل التحولات الكبيرة، التي عرفتها كرة القدم الإماراتية.


ويشير عزير إلى أن التأمين الصحي وتأمين إصابات الملاعب لم يكونا متاحين بالصورة الحالية في أيامه، مستذكراً محدودية الإمكانات، وفترة اعتزاله عامي 1997 و1998، عندما كان راتبه الشهري يبلغ نحو ألفي درهم، في صورة تعكس الفارق بين ظروف ذلك الجيل والواقع المالي للاحتراف اليوم.


ويشير كذلك إلى أن تأخر الرواتب كان يحدث في بعض الأندية، وقد تمر ثلاثة أو أربعة أشهر من دون حصول اللاعبين على مستحقاتهم، بسبب الظروف المالية، ولذا لم تكن رفاهية التأمين متوفرة، وكان حب اللعبة والانتماء إلى النادي من الدوافع الأساسية للاستمرار.


وأضاف أن اليوم تتداخل في تحديد قيمة اللاعب عوامل متعددة، من بينها قدراته الفنية، وقيمة عقده، ومهارة وكيل أعماله في التفاوض، إلى جانب الرعاية والمزايا التي يوفرها النادي.


ويلفت يوسف عزير إلى أن التفاوت في الرواتب قد يكون كبيراً حتى بين لاعبين في النادي نفسه، وقد يحصل لاعب على مقابل أعلى من زميله رغم تفوق الأخير فنياً، بسبب اختلاف شروط التفاوض والعقود.


وتكشف هذه المقارنة أن التحول لم يقتصر على الرواتب، بل امتد إلى العلاقة بين اللاعب والنادي، وأهمية الإدارة الطبية والتأمين والحقوق المالية، في منظومة أصبحت فيها الإصابة قضية صحية وتعاقدية ومالية في آن واحد.


وأوضح أن هناك تأميناً طبياً عادياً للاعبي الأكاديمية في جميع المراحل السنية، ولكن عند وصول اللاعب إلى سن 18 عاماً يكون التعاقد معه من قبل إدارة النادي ضمن عقود الفريق الأول، وبالتالي تخضع لبنود وشروط جديدة ومختلفة، ومن بينها نظام التأمين على اللاعب نفسه.