وسط البعثرة والفوضى السائدة في مصر هذه الأيام تفرض تساؤلات محددة نفسها وتبحث عن إجابات صعبة: هل من الوطنية أن نطرح قضية عودة النشاط الرياضي مع تداعيات ثورة ‬25 يناير التي تدهمنا كل يوم بتصعيد جديد وخطير؟

هل من المناسب مناقشة استئناف المنافسات الرياضية بحجة السعي لإعادة الحياة الطبيعية إلى الشارع الملتهب والمتفاعل بفتنة طائفية لم تكن واردة في هذا التوقيت الحساس للغاية؟ وتساؤلات أخرى يطرحها الواقع العابث والمعبئ بجرعات محمومة من المطالب الفئوية وموجات الغضب المسيحية التي تنطق قهراً واعتصامات ميدان التحرير كلما اقترب يوم الجمعة التي تطرح مطالب سياسية تختلف وربما تتناقض مع مطالب الجمعة التي سبقتها.

الشواهد تؤكد إن الرياضة بعيدة عن الأذهان ومع التعديل الوزاري رقم ثلاثة في غضون ‬20 يوماً يغيب الشأن الرياضي أو الشباب والرياضة ويتراجع إلى مرحلة متأخرة في أولويات القائمين على شؤون الدولة، رغم الحاجة الملحة لتنظيم هذا القطاع الحيوي الذي لا يقل عن التعليم والاقتصاد والثقافة، وكانت صدمة تصريح صادر من المتحدث الرسمي لمجلس الوزراء من جملة واحدة {ليس وارداً الاقتراب من قطاع الشباب والرياضة}.

الفوضى الضاربة في مصر تشوه ما حققه شباب الثورة، وتسببت في زرع الخوف من استئناف النشاط الرياضي وتحديداً كرة القدم، وهي مخاوف لها ما يبررها، فالخلل الإداري والمالي منتشر ليس في اتحاد الكره وحده بل في اتحادات أخرى كانت تعمل في الظلام ولذلك أصبح الخبر الرياضي الرئيس خلال الأيام الماضية عن تظاهرات واعتصامات لرياضيين يطالبون بالعدالة في الرواتب والطهارة في المصروفات، ومهما قيل عن مبالغات في المطالب وانتهازية المطالبين، فإن الفساد داخل بعض المؤسسات الرياضية بات واضحاً وذي رائحة كريهة لم يعد السكوت عليها مقبولاً.

وفى ظني إن غياب الرياضة والشباب عن أولويات الدولة خطأ جسيم يجب تداركه لعدة أسباب أهمها تشديد سيطرة الدولة بكل هيئاتها الرقابية على هذا القطاع، الذي استفاد من عدم وضوح المسؤوليات بين المجلسين القائمين بالرياضة والشباب، واقتصادياً فإن الأندية والاتحادات تنزف الكثير من المال العام في كل يوم يتوقف فيها النشاط الرياضي، ولعل ما يحدث من ظواهر دخيلة خير دليل على تفشي الفوضى الرياضية مثل امتناع اللاعبين عن التدريبات وهروب المدربين، واقتراب بعض الأندية من إعلان الإفلاس وعجزها عن سداد ما عليها من التزامات.

في عهد جديد يتطهر تحتاج الإدارة الرياضية إلى إصلاح شامل وإعادة تقويم تجربة الاحتراف القائم الناقص في حين ان القانون الخاص بالرياضة الحالي يحد من حركة الأندية بحثاً عن موارد مالية إضافية ويقلل من حرية التسويق، وللحق فإن الرياضة المصرية تعاني من تبعيتها للدولة وتقليص الدعم الحكومي ووسط هذا الخلط تعجز الأندية عن زيادة مواردها بسبب احتكار الأهلي والزمالك للحصة الأكبر.

ويجب أن نعترف بوقوع الأندية كلها دون استثناء في أخطاء فادحة تتمثل في المغالاة في إبرام عقود اللاعبين والمدربين رغم قصور الموارد المتاحة مما أدى إلى تربح الوسطاء وظهور طائفة مشوهة للوكلاء يمارسون استنزاف المال العام ورفع الأسعار إلى معدلات غير واقعية لا تتناسب مع مستويات اللاعبين، والكارثة التي تعاني منها الرياضة العربية وطبعاً المصرية على رأسها تتمثل في ترهل الجمعيات العمومية وتغييبها وإفسادها، فلم تعد جهة رقابية تحاسب وتسحب الثقة كما هو مأمول، ولن أنسى ما حدث قبل سنوات قليلة في جمعية عمومية لاتحاد كرة القدم عندما تم استضافة ممثلي الأندية بفندق خمس نجوم وتسليمهم مبالغ نقدية كبيرة تحت مسمى دعم الأندية والتوقيع على الاستلام قبل يوم من الاجتماع الرسمي، وتمرير القضايا واللوائح التي يريدها الاتحاد، غياب الجمعيات العمومية عن ممارسة دورها يفتح الأبواب على مصراعيها للفساد كي يتوغل ويتحول إلى وباء قاتل.

الرياضة ليست عودة للمباريات وصراع الأهلي والزمالك، بل إصلاح للإدارة وفهم دقيق للوائح الرياضية وتكريس الديمقراطية في اتخاذ القرارات واستقلالية الحكام وإلغاء احتكار المناصب وأيضاً المسارعة في إنشاء المحكمة الرياضية لمنع تداول الخلافات أمام المحاكم العادية.

وسط أجواء مريرة وغياب أمني مخيف لا أتصور إن عودة الرياضة مناسبة في الظرف الحالي، شخصياً أتمنى عودة الحياة إلى الملاعب لكن استبعد ذلك ما دام الخلل مازال قائماً.