اعتذار «الفيفا» لا يغلق أزمة الحوكمة

بعد أن سحب الاتحاد الدولي لكرة القدم، السبت الماضي، خطته لبيع حصة 20 % من الحقوق التجارية المستقبلية لكأس العالم مقابل استثمارات خاصة بقيمة 4.2 مليارات دولار، أصدر بياناً عقب اجتماع مجلسه في الرباط، الأربعاء الماضي. اعتذر إلى الاتحادات الأعضاء، وأقر بأن المشروع «كان ينبغي التعامل معه بطريقة مختلفة»، وتعهّد بمراجعة الإجراءات. لكنه أكّد في الوقت نفسه أن جميع الخطوات تمت وفق لوائحه، وأن الخلل انحصر في آليات العمل والتواصل، لا في قواعد الحوكمة نفسها. وأضاف أنه لن يتسامح بعد الآن مع أي هجمات على نزاهته وحوكمته.

هذا التفسير لم يكن كافياً.

في اليوم التالي، جدّد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» تمسكه بفقدان الثقة في رئيس الاتحاد جيانو إنفانتينو. وقال إن سحب المشروع وحده لا يكفي، ما لم تُقدَّم ضمانات تمنع تكرار محاولات مماثلة. أما الاتحاد الدولي للاعبين المحترفين «فيفبرو»، فوصف المشروع بأنه «إساءة جسيمة لاستخدام صلاحيات الرئيس». ورحّب اتحاد أمريكا الجنوبية «كونميبول» بسحب الخطة، لكنه حذّر من «الإجراءات الأحادية المتكررة»، مؤكداً أن أي تغيير يجب أن يتم عبر الآليات المؤسسية والانتخابات.

كيف سقط المشروع؟

لم يعد السؤال كيف سقط المشروع، بل كيف وصل إلى مرحلة الطرح، ولماذا احتاج إلى تهديد بالمقاطعة حتى يتوقف.

الخطة لم تكن مجرد مشروع استثماري. كانت تقضي بإنشاء كيان تجاري يدير الحقوق التجارية لبطولات «فيفا»، وفي مقدمها كأس العالم، مع فتح الباب أمام مستثمرين خارجيين للمرة الأولى. وبحسب بيانات الاتحادات القارية والروابط المهنية، وصلت إلى مجلس «فيفا» من دون مشاورات واسعة مع الاتحادات الوطنية أو اللاعبين أو الأندية.

وما أوقفها لم يكن لجنة رقابية داخلية، ولا مراجعة قانونية مستقلة، ولا اعتراضاً من مجلس «فيفا» نفسه. بل تهديد «يويفا» بمقاطعة بطولات الاتحاد الدولي. هذه النقطة تحديداً، حوّلت الأزمة من نقاش حول مشروع استثماري، إلى نقاش حول بنية الحوكمة.

أقوى المؤشرات جاءت من داخل «فيفا». قال أرسين فينغر مدير تطوير كرة القدم العالمية، إنه لم يكن جزءاً من إعداد المشروع، وإنه علم به من وسائل الإعلام، واصفاً قرار سحبه بأنه «ضروري». سبق ذلك استقالة كبير مستشاري إنفانتينو، كارلوس كورديرو، احتجاجاً على الخطة. ووصف الأمين العام ماتياس غرافستروم ما جرى في رسالة داخلية، بأنه «سلسلة من الأحداث المؤسفة والمرفوضة».

حين يعلم أحد أبرز مسؤولي تطوير اللعبة بمشروع يمس مستقبل بطولاتها من الإعلام، ويستقيل مستشار الرئيس، ويصف الأمين العام ما حدث بأنه مرفوض، فإن القضية تتجاوز خلافاً مالياً، إلى خلل في طريقة صناعة القرار.

جاء اجتماع الرباط ليحاول احتواء الصورة. أعلن الفيفا دعمه الكامل لإنفانتينو، وتعهّد بمراجعة داخلية، لكنه تمسك بأن كل ما جرى كان متوافقاً مع لوائحه. وهنا ظهر التناقض الذي أبقى الأزمة مفتوحة: إذا كانت اللوائح قد سمحت فعلاً بوصول مشروع بهذا الحجم إلى مرحلة الطرح من دون مشاركة واسعة، فإن السؤال لم يعد يتعلق بطريقة تطبيق القواعد، بل بمدى كفايتها.

هذا ما جعل اعتراض «فيفبرو» الأكثر عمقاً. لم يكتفِ الاتحاد بوصف ما جرى بإخفاق في التواصل، بل اعتبره إساءة لاستخدام الصلاحيات. وقال إن القول إن المشروع طُوِّر وفق اللوائح لا يبرئ المؤسسة، بل يدين إطار الحوكمة الذي سمح بإعداده خلف أبواب مغلقة. وطالب بإصلاحات هيكلية تمنح ممثلي اللعبة دوراً ملزماً في القرارات الاستراتيجية.

في السياق نفسه، انتقدت رابطة الأندية الأوروبية منحها مهلة لا تتجاوز أربعة أسابيع لدراسة مقترح منفصل لتوسيع كأس العالم 2030 إلى 64 منتخباً، معتبرة أن أصحاب المصلحة يُبلَّغون بالقرارات بعد اتخاذها لا قبلها.

لكن المعارضين لا يقفون في جبهة واحدة.

مواقف متباينة

بينما صعّد «يويفا» موقفه، اتخذ «كونميبول» موقفاً مختلفاً. رحّب بسحب الخطة، لكنه شدّد على أن كونغرس الفيفا هو الجهة الوحيدة المخوّلة انتخاب الرئيس، وأعلن أنه لن يدعم أي مسار يتجاوز الآليات المؤسسية. وبهذا بدا أقرب إلى المطالبة بإصلاح القواعد، منه إلى الانضمام إلى معركة إسقاط الرئيس.

تعاملت عدة اتحادات في آسيا والعالم العربي مع الأزمة باعتبارها أزمة آليات لا أزمة أشخاص. ووصف الاتحاد الآسيوي طريقة إعداد المشروع بأنها «غير مقبولة تماماً»، داعياً إلى إصلاح مؤسسي من دون المطالبة برحيل الرئيس.

في المقابل، تتوسع المعارضة الأوروبية تدريجياً، حيث انضمت إنجلترا وألبانيا إلى قائمة الاتحادات التي سحبت دعمها لإنفانتينو، بعد مواقف مماثلة من ويلز والسويد وفنلندا وصربيا. وأعلنت ألمانيا وهولندا أنهما لن تمنحاه أصواتهما، فيما أكدت الدنمارك أنها لم تكن تنوي دعمه. كما أعلن الاتحاد الأردني لكرة القدم، أنه لن يؤيده. ومع ذلك، لم يتحول اتساع المعارضين إلى كتلة انتخابية موحدة.

موازين الانتخابات

ورغم ذلك، فإن اتساع المعارضة لا يعني تغيراً فورياً في موازين الانتخابات. يمنح النظام الأساسي لـ «فيفا» كل اتحاد من الاتحادات الـ 211 صوتاً واحداً، بغض النظر عن حجمه. ولا يزال إنفانتينو يحظى بدعم واسع في أفريقيا وآسيا، حيث تعتمد عشرات الاتحادات على برامج التطوير والتمويل التي توسعت خلال رئاسته. ولم يظهر حتى الآن منافس قادر على جمع دعم يتجاوز أوروبا. وهو ما أقرت به نائبة رئيس «يويفا»، لورا ماك أليستر، التي قالت لـ «رويترز» إن أي مرشح جاد يحتاج إلى تأييد عالمي، لا أوروبي فقط.

تكشف الأزمة مفارقة واضحة. نجحت المعارضة في إسقاط مشروع استثماري غير مسبوق، لكنها لم تنجح حتى الآن في بناء بديل انتخابي قادر على هزيمة إنفانتينو. وفي المقابل، استطاع الرئيس احتواء التمرد داخل إدارة «فيفا»، لكنه لم يستطع استعادة الثقة خارجها.

بين إغلاق باب الترشح في 18 نوفمبر المقبل، والانتخابات المقررة في الرباط في مارس 2027، سيتركز الاهتمام على أسماء المرشحين وحسابات الأصوات. لكن الأحداث التي شهدها الأسبوعان الماضيان، توحي بأن المعركة الحقيقية تدور في مكان آخر.

المؤسسة التي سمحت بوصول مشروع بهذا الحجم إلى مرحلة الطرح، ولم توقفه إلا بعد تهديد بالمقاطعة، لا تواجه أزمة ثقة في رئيسها فحسب، بل أزمة ثقة في قواعد اتخاذ القرار نفسها.

ويرى مراقبون أن مراجعة الإجراءات التي وعد بها «فيفا» خطوة ضرورية. لكنها لن تكون كافية إذا انتهت إلى تحسين آليات التواصل فقط. جوهر الأزمة لم يعد في الطريقة التي أُعلن بها المشروع، بل في النظام الذي جعل إعداده ممكناً من دون مشاركة واسعة أو رقابة مؤسسية. وإذا لم تتغير تلك القواعد، فإن تغيير الرئيس قد يغيّر الشخص الذي يدير المؤسسة، لكنه لن يغيّر المؤسسة التي صنعت الأزمة.