أبوظبي - محمد صادق
حين يدخل الحكم إلى المستطيل الأخضر، لا يرى الجمهور سوى الشخص الذي يحمل الصافرة ويتخذ قراراته فوق أرضية الميدان، لكن خلف هذا المشهد حياة مهنية أخرى، فالكثير من الحكام يمارسون أعمالاً بعضها بعيد تماماً عن كرة القدم، فمن الجيش والشرطة والطب والهندسة والقانون إلى ريادة الأعمال، هناك أيضاً مهن قد يستغرب البعض أن الحكم يمتهنها خارج عالم الساحرة المستديرة. وتكشف مسيرة الحكام أن التحكيم لم يكن دائماً المهنة الأساسية، بل جاء في كثير من الحالات إلى جانب وظائف تحتاج إلى الانضباط والدقة وسرعة اتخاذ القرار، وفي أغلب الأحيان جمعت نماذج لافتة بين العمل اليومي والتحكيم، ونجحت في تحقيق هدفها في المسارين.
عمر آل علي موظف حكومي.. ويحيى الملا مهندس في «كهرباء دبي»
عمار الجنيبي طبيب أسنان.. ومحمد عبدالله حسن مدقق حسابات
حكم مكسيكي عمل قسيساً وآخر حارس أمن وممثلاً سينمائياً
أمين عمر محامٍ.. ومحمود البنا مأذون شرعي
حكم نهائي مونديال 2026 رائد أعمال وخبير في الاتصالات والمعادن
أنتوني تايلور ضابط سجن.. وسلافكو فينتشيتش خبير في صناعة السيارات
أكد الحكم الدولي السابق يعقوب الحمادي أن عمله كعسكري انعكس إيجابياً على مسيرته التحكيمية، خصوصاً فيما يتعلق بالانضباط والحزم والقدرة على التعامل مع المواقف المختلفة، موضحاً أن التحكيم كان بالنسبة إليه شغف وهواية، رغم صعوبة الجمع بين الوظيفة والسفر لإدارة المباريات خارج الدولة في بعض الأحيان. وأضاف: «بحكم عملي ضابطاً في شرطة أبوظبي، فإن العسكرية تتمتع بالانضباط والحزم، وهو ما انعكس على شخصيتي عندما كنت أدير المباريات قبل الاعتزال»، مشيراً إلى أنه متفرغ بالكامل الآن لوظيفته، التي لم تكن عائقاً أو أثرت على مسيرته في التحكيم، إلا أن تعرضه لأكثر من إصابة حرمه من استكمال مشواره مع التحكيم لسنوات إضافية.
يعقوب الحمادي: عملي العسكري منحني الانضباط والحزم
تؤكد التجارب الوظيفية التي يمارسها الحكم خارج الملعب أنها قد تضيف إلى شخصيته وخبرته مع التحكيم، فالعمل العسكري يعزز الانضباط، والقانون يطور القدرة على فهم النصوص، والطب يحتاج إلى الدقة، والتعليم يتطلب التواصل، بينما تمنح الأعمال التجارية خبرة في الإدارة والتفاوض.
ومع ذلك فإن المهنة وحدها لا تصنع الحكم الناجح، فالتحكيم يحتاج إلى معرفة دقيقة بالقوانين، ولياقة بدنية، وتركيز، وشخصية قوية، وقدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط، لكن تنوع الخبرات المهنية يمنح الحكم أدوات إضافية تساعده على التعامل مع المباريات ومواقفها المختلفة.
الجيش والشرطة
ويمتهن الحكام المواطنون في الإمارات العديد من المهن بخلاف التحكيم، وإن كان الأغلب يعمل في القوات المسلحة والشرطة، إلا أن هناك آخرين يعملون في مجالات أخرى كالهندسة والوظائف الإدارية والحكومية، فيما عمل حكام سابقون في مهن كالطب مثل الحكم الدولي السابق عمار الجنيبي، طبيب الأسنان، وهي مهن تتطلب مسؤولية والتزاماً وتركيزاً، وجميعها من أهم صفات الحكم الناجح. ويبرز حكمنا الدولي المونديالي عمر آل علي، والذي شارك في نهائيات كأس العالم 2026 الأخيرة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ويعد من أبرز الحكام في الدولة، فيعمل موظفاً في إحدى الجهات الحكومية في إمارة الشارقة، بينما يشغل الحكم الدولي عادل النقبي منصباً إدارياً في إحدى الجهات الحكومية أيضاً، إذ يواصلان مسيرتهما التحكيمية بالتوازي مع مسؤولياتهما المهنية. كما يعد الحكم الدولي يحيى الملا من أبرز الحكام في السنوات الأخيرة، ويعمل الملا مهندساً في هيئة كهرباء ومياه دبي، ويحرص على التوفيق بين وظيفته، ومسيرته التحكيمية.
ومن الحكام السابقين، الحكم الدولي السابق يعقوب الحمادي، الذي اعتزل قبل 6 سنوات، الذي يعمل ضابطاً في شرطة أبوظبي، ويحمل حالياً رتبة مقدم، كما عمل الحكم الدولي السابق علي حمد ضابطاً في شرطة دبي، بينما يعمل الحكم السابق عبدالله العاجل مدرب لياقة بدنية في القوات المسلحة. أما الحكم الدولي السابق عمار الجنيبي، فكان من أشهر الحكام الذين اختاروا المجال الطبي، والذي حرص على ممارسته حتى خلال مسيرته التحكيمية، حيث يعمل طبيب أسنان، في حين يعمل الحكم الدولي السابق محمد عبدالله حسن مدققاً للحسابات.
البنا مأذون شرعي
وعلى صعيد الحكام العرب، لا تختلف الصورة كثيراً، إذ تضم القائمة أسماء جمعت بين التحكيم والهندسة والقانون والتعليم والعمل العسكري، إلى جانب مهن أخرى غير متوقعة، وهو ما يؤكد أن الحكم يستطيع بناء مسيرة رياضية ناجحة إلى جانب تخصصه المهني الأساسي. في الأردن، يعمل الحكم الدولي أدهم المخادمة مهندساً مدنياً، بعدما بدأت علاقته بكرة القدم منذ طفولته في مدينة الرمثا، واستطاع أن ينتقل من ممارسة اللعبة إلى التحكيم، وصولاً إلى إدارة مباريات في البطولات الكبرى، أما الحكم الجزائري الدولي مصطفى غربال، فيعمل فنياً في مجال تكنولوجيا الأسنان. أما المغربي جلال جيد، فيعمل محامياً، وبالمهنة نفسها، يعمل الحكم الدولي المصري أمين عمر، الذي شارك في مونديال 2026، فيما يعمل الدولي محمد معروف في هيئة التدريس بكلية التربية الرياضية بإحدى الجامعات المصرية، جامعاً بين العمل الأكاديمي والتحكيم، بينما يعمل الحكم الدولي المساعد محمود أبوالرجال ضابطاً في القوات المسلحة المصرية. ومن أكثر التجارب العربية اختلافاً تجربة الحكم المصري السابق محمود البنا، الذي عمل مأذوناً شرعياً في محافظة كفر الشيخ، إلى جانب مسيرته التحكيمية التي امتدت 24 عاماً، منها 12 عاماً حكماً دولياً، قبل اعتزاله التحكيم نهائياً في نوفمبر من العام الماضي.
ماكيلي محقق.. ومارشينياك رائد أعمال
على المستوى العالمي، هناك العديد من الحكام المشاهير في الوقت الحالي، وأداروا مباريات في الدوري الإماراتي خلال السنوات الأخيرة، يعملون في مهن أكثر تنوعاً، ما بين الشرطة والتعليم والتكنولوجيا والاستثمار، بينما دخل آخرون عالم الأعمال أو العلوم، إذ من المعروف أن كرة القدم ليست هي المصدر الوحيد لدخل هؤلاء الحكام أو هويتهم المهنية. فالحكم السلوفيني سلافكو فينتشيتش الذي أدار نهائي كأس العالم 2026، وأعلن بعدها اعتزاله التحكيم، يعمل خبيراً استراتيجياً في قطاع الاتصالات وصناعة السيارات، كما ينشط في مجال الاستثمار والتكنولوجيا، ويمتلك شركة في مجال صناعة المعادن. أما الهولندي الشهير داني ماكيلي، فيعمل محققاً شرطياً في روتردام، فيما يجمع الحكم المونديالي الأمريكي من أصول مغربية إسماعيل الفتح بين عمله مستشاراً في تكنولوجيا المعلومات والتحكيم، بينما يعد البولندي الشهير سيمون مارتشينياك من الحكام الذين حققوا نجاحاً في مجال الأعمال، إلى جانب مسيرته الرياضية والتحكيمية.
ويعد الحكم الإنجليزي أنتوني تايلور، المعتزل حديثاً في يوليو الماضي عقب كأس العالم، من أشهر الحكام الذين عملوا في السلك الشرطي، إذ كان ضابط سجن، وعمل في سجن سترينغويز في مدينة مانشستر، وهو أحد السجون الشهيرة للمجرمين الخطرين. وفي فرنسا يعمل الحكم فرانسوا ليتكسييه، الذي أدار نهائي كأس أمم أوروبا 2024، في المجال القانوني، وهو ما يضعه أمام مسؤوليات تتطلب الدقة والالتزام بالقواعد، وهي عناصر أساسية كذلك في مهنة التحكيم.
التعليم والبحث العلمي
ويظهر التعليم والبحث العلمي أيضاً في مسارات عدد من الحكام، فالسلفادوري إيفان بارتون، والذي ظهر أيضاً في دورينا هذا الموسم، يعمل أستاذاً جامعياً في مجال الكيمياء العضوية، بينما يعمل الأرجنتيني فاكوندو تيلو أخصائي تربية بدنية. وفي سويسرا، يعمل الحكم ساندرو شيرر معلماً في المرحلة الثانوية ومدرب تزلج، بينما يعمل الروماني إستيفان كوفاتش مدرساً للتربية البدنية، أما الزامبي جاني سيكازوي، الحكم الدولي السابق، فكان مدرساً للرياضيات إلى جانب عمله في التحكيم.
مهن غريبة
ومن أكثر قصص الحكام غرابة تجربة المكسيكي الدولي السابق ماركو رودريغيز، الذي جمع بين التحكيم والتربية البدنية والعمل الديني، إذ كان قسيساً في كنيسة بروتستانتية، كما عرف بمساعدته للفقراء والسجناء.
وفي الأرجنتين، عمل الحكم الدولي السابق نيستور بيتانا حارس أمن في إحدى الصالات والأندية الليلية، قبل أن يصل إلى إدارة مباريات كبرى، كما خاض تجربة في التمثيل السينمائي، ليصبح واحداً من أكثر الحكام تنوعاً في مسيرته خارج الملاعب بينما تعمل الحكمة الأمريكية توري بينسو في التسويق الرقمي وريادة الأعمال في قطاع الإعلانات، وتعمل مواطنتها كاثرين نسبيت دكتورة وباحثة في مجال تحليل المواد الكيميائية المرتبطة بالدماغ البشري.
وأخيراً، هناك قلة قليلة للغاية من الحكام الذين لا يملكون وظائف أخرى غير التحكيم، أبرزهم واحد من أفضل حكام العالم حالياً، وهو الفرنسي كليمنت توربان الذي احترف التحكيم، وبدأ مسيرته منذ أن كان عمره 19 عاماً.





