الدراسة التي تنشر حاليا على الصفحات الرياضية لـ"البيان" حول طغيان مصروفات كرة القدم الإماراتية ووصولها الى ارقام فلكية لم استوعبها أو أصدقها فى بادئ الامر، تدفعنا للمقارنة مع نفس المشكلة في كرة القدم المصرية والتي تعاني الأمرين من تسابق ناديين فقط هما الاهلي والزمالك من اجل شراء لاعبين فى مشاهد تعكس القدرة الفائقة على إهدار المال العام بما يخالف القوانين الحامية للنظام العام.

والدراسة تقتضي الاشادة بجهد زميلنا المجتهد علي شدهان لأنها كشفت عن حقيقة مفزعة، ان الدعم الرسمي من الدولة للرياضة يبلغ 180 مليون درهم يذهب 60 مليون منها الى كرة القدم اي بواقع 46% بينما الانجازات العائدة لم تصل 1% من حجم انجازات الرياضة الاماراتية بوجه عام، والخطير في الدراسة انها لا تضع يدها على الموارد غير المنظورة التي تدخل خزائن اتحاد الكرة والاندية من بيع اللاعبين والتسويق والرعاية وكلها غير معروفة القيمة رغم ضخامتها.

وقبل ايام سمعت الكابتن حمدون قائد منتخب الامارات خلال السبعينات والثمانينات فى برنامج "جيم اوفر" وهالني قوله ان الاحتراف يكاد يقضي على كرة القدم، ووفقا لوجهة نظره التقليدية لم يعد هناك ولاء او انتماء او حرص على المصلحة العامة، مستشهدا بالجماهير التي باتت اغلبيتها وليست كلها مستأجرة اي تشجع مقابل اجر ولم يعد الامر يقتصر على توفير المواصلات والوجبات كما كان يحدث قبل 40 عاما في عهد الفطرة والاخلاص للأندية والوانها.

وحمدون كما اعرفه جيدا ينتمي الى طائفة الرياضيين الذين حملوا مسؤولية تأسيس اللعبة في ملاعب رملية وفنادق غير مكيفة ومارسوها باستمتاع دون طمع او جشع، ثم انتقل الى الادارة مع جيل من اصحاب الفكر التقليدي المتشدد لحماية كرة القدم من الدخلاء، ودافعوا باستماتة عن اللاعب المواطن وقاوموا الاتجاه المضاد المنادي بعودة اللاعب الاجنبي.

وفي هذا المناخ حقق المنتخب المركز الثاني ببطولة الخليج مرتين ثم تأهل الى كأس العالم، إلى ان وقعت الواقعة وصدر قرار عودة اللاعب الاجنبي فى ليلة من صيف عام 1997، لتنقلب موازين اللعبة، وتتغير الانظمة لإبرام صفقات بلا حدود ولا حساب، وتتحول الاندية الى شركات وهمية تعتمد على الدعم الحكومي، لنصل الى ما تتحدث عنه دراسة الشدهان المزعجة.

فى مصر اكاد اجزم اننا لا نملك احصائيات دقيقة عن حجم الانفاق المالي على كرة القدم لكن موازنة الدولة الرسمية للرياضة 82 مليون جنيه قابلة للتقليص فى ظل ثورة 25 يناير وانخفاض موارد الدولة وزيادة مصروفاتها، لكن الاهلي والزمالك فقط انفقا 56 مليون جنيه خلال الاسابيع الماضية لتمويل عقود لاعبين جدد، نصيب الاهلي منها 39 مليونا، ولا توجد معلومات شفافة حول موارد الناديين، لكنهما يعانيان بوضوح خاصة الزمالك، ولم نتحدث عن اندية اخرى كالاسماعيلي تعيش يوميا خطر الافلاس، لذلك تحولت الاندية الى مجال خصب لرجال الاعمال الذين يهمهم الدعاية لمشروعاتهم قبل نجاح انديتهم.

نعود الى كلام حمدون واتذكر منطق قاسم سلطان، الذي تميز باسلوب مختلف في قيادة النادي الاهلي يعتمد على أداء رسالة اجتماعية وثقافية ورياضية للشباب قبل تحقيق الربح، واتذكر احمد الفردان الذي أدار اتحاد الكرة في ايام التألق وحرصه الشديد على المال العام، وقيادات اخرى كثيرة ساهمت بأدوار لا تنسى فى تأسيس رياضة الامارات وتسليم العهدة الى اجيال جديدة ذات فكر مختلف تماما تؤمن بأن الاندية مؤسسات تسعى للربح قبل اي اعتبار اخر، وهو نفس الاتجاه الذي ينتشر في الرياضة المصرية تدريجيا، تمهيدا لتطبيق دوري المحترفين عام 2013.

كلام حمدون اعادني لأيام الصراع بين تيارين من السياسات الرياضية وكل منهما يسعى للتقدم وفي النهاية تأتي دراسة الشدهان لتجعلني اتذكر بالخير سنوات الثمانينات، ويعطيكم العافية.