استمتعت بقراءة الذكريات الرياضية النادرة ذات البعد الشخصي من خلال الحوار المميز لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة والذي أداره الاخ والصديق المخلص والوفي محمد الجوكر وقام بتقليب صفحات غير مقروءة أو مرئية من التاريخ الرياضي لدولة الإمارات.
واضطررت لإعادة قراءة الحوار فى القاهرة عبر شبكة الانترنت التى وفرت علينا عبء البحث عن جريدة البيان فى المكتبات والفنادق، مستمتعاً باهتمام الضيف الكبير بالتفاصيل الدقيقة التى مر عليها اكثر من نصف قرن ومازال يتذكرها "ماشاء الله".
فى ظني أن الحوار مع شخصية بهذا الثقل يساوي خبطة إعلامية مميزة غير مسبوقة، فقد نجح أبو سلطان فى العودة بضيفه الكريم إلى زوايا تكاد تكون مجهولة ومنها حكاية اللعب مع فرق الانجليز والتدريب على يد مدرسين مغمورين قاموا بجهود جبارة للمساهمة فى تنوير شباب هذه المنطقة البعيدة عن العيون.
وكذلك مشروع نادي الاتفاق الذي لم يكتمل، وقصة زميله بكلية الزراعة ابراهيم خليل لاعب الترسانة فى عصره الذهبي، وأسرار تأسيس نادي الشعب، وروايات متعددة قرأتها مستمتعاً مستفيداً من أجواء شهر رمضان العطرة.
الحوار فى حد ذاته ليس الهدف منه كتابة هذا المقال، بل محمد الجوكر هو مقصدي فقد عرفته منذ عام 1980 وكان شاباً يافعاً لم يتخرج من الجامعة وتستهويه مهنة الصحافة بمعناها الحقيقي، السعي وراء الخبر والحوارات ولم يلجأ للطريق السهل فى البدء بكتابة المقالات كما فعل غيره وسقط فى منتصف الطريق، وتوطدت العلاقة عندما اقتربت منه خلال أزمة صحافية عنيفة كادت ان تعصف به لولا ارادته وعزيمته، وكان ذلك فى النصف الثاني من عام 1989 وكان يرأس القسم الرياضي بالبيان بصفة مؤقته الزميل العزيز ظاعن شاهين رئيس التحرير حالياً.
واستلم أبوسلطان القسم الرياضي عام 1990 وانغمس بكل كيانه فى العمل وكرس حياته من أجل التفوق فى سباق التنافس بين الصفحات الرياضية، وحققنا كفريق عمل نجاحات لا تنسى وابرزها اصدار أول ملحق رياضي يومي عام 1997، ودارت بيني وبينه مناوشات مهنية نسيتها لكنه دونها فى الاجندة السوداء التى يحتفظ بها فى مكان سري للغاية، ولكن لم يجمعنا سوى الحب والرغبة فى النجاح.
وفى أحد أيام 2004 حان وقت رحيله عن رئاسة القسم الذي يعشقه، ودار بيننا حوار واتصل بي فى القاهرة ليبلغنى والآسى فى صوته يزلزلني: خلاص انتهى دوري، فصرخت فيه: على العكس تماماً الآن تبدأ مهمة اكثر بريقاً، قلت له: يامحمد استثمر خبراتك الصحافية وعشقك للماضي واكتب مقالات تنوير للشارع الرياضي، لقد تخلصت من ضغوط المنصب والمكان، عليك ان تتحرر وتتألق وتنتشر داخل الإمارات وخارجها، ولم أسمع منه سوى صوت انفاسه الحارة، واذكر إني أنهيت المكالمة والدموع فى عيني خوفاً من سيطرة الاحباط على الجوكر.
وحدث ما تمنيته ونهض أبوسلطان مقاوماً واقتحم عالم الكمبيوتر ليكتب منه وتحولت مقالاته مع الوقت إلى الاسلوب الرصين الهادئ، متخذاً اسلوب جمع الشمل والتوافق بعيداً عن مهاترات تفجير الازمات الرياضية، وخاض تجارب خاصة فى اللجنة الاولمبية ثم جائزة دبي للإبداع الرياضي وساهم فى ترويجها وأصدر عدة كتب تنظر للماضي الذي يعشقه، حتى تخصص فى " أيام زمان " خلال شهر رمضان ولعدة أعوام ولعب دوراً فى إعادة الحياة للذكريات الغائبة، وهو دور المؤرخ الرياضي الصادق الأمين الذي نفتقده فى الاعلام الرياضي المصري للأسف الشديد.
الحوار خبطة صحيح، لكن الجوكر أيضاً يستحق الاشادة والتكريم وأظن أنه مؤهل ليلعب دوراً وطنياً يستحقه بعد مشواره الطويل المعطاء وما تعرض له احياناً من عثرات وجفاء ، وشكراً إيها المؤرخ الفاضل.