يوجع القلب ما حدث من وقائع شغب بالغ العنف، وتطاول وتجاوز من جانب مجموعة متهورة من الشباب المتعلم «أولاد الناس»، قدموا أسوأ صورة وأخطر مثال لما يمكن أن يصل إليه التشجيع الرياضي في مصر والدول العربية.

هؤلاء الفتية «الفتوات» نقلوا تعصبهم للزمالك والأهلي من الملاعب والمدرجات إلى الشوارع الآمنة وهنا مكمن الخطر، ومهما كانت مبررات التصعيد فما حدث غير مقبول على الإطلاق، وإذا قيل إن إدارة الأهلي أغلقت الأبواب أمام مشجعي الزمالك قبل مباراة الناديين لكرة اليد، فإن هذا ليس سبباً لتحطيم الأبواب والواجهات الزجاجية للصالة المغلقة وكلها أموال عامة، وإلقاء الصواريخ المشتعلة داخل حديقة النادي وترويع العائلات والأطفال.

المشهد تحول إلى فيلم مرعب بعد الانتقال إلى الشارع وتحطيم السيارات وإيذاء الأبرياء الذين تصادف مرورهم، ما حول الأحداث العشوائية إلى منطقة المهندسين وهذه المرة يتسلم مشجعو الأهلي زمام المبادرة بهدف الانتقام ويغلقوا أحد الشوارع الشهيرة ويحطموا «أتوبيس عام» وينال الركاب «علقة ساخنة» وفي وسط المشهد تتحطم السيارات التي حاول أصحابها إطفاء نيران التعصب.

لن أتحدث عن المسؤولين المتسببين عما حدث، ولكن في ظني أن مشاعر العداء بين أنصار الأهلي والزمالك يمكن أن تصل إلى ما يشبه إثارة الفتنة والكراهية بين أفراد المجتمع، القضية لم تعد تشجيعاً رياضياً تجاوز القانون لكنها فتنة تنشب أظفارها بين الناس، ولتضع مكانك عزيزي القارئ مكان أي شخص تحطمت سيارته، ما هو شعورك تجاه هؤلاء الجناة؟

الشارع الرياضي وغير الرياضي في مصر منزعج للغاية، والجماعات الجديدة المسماة «التراس» ويحملون شعارات الأهلي والزمالك، ليسوا مشجعين بل هم شريحة من شرائح المجتمع، تم غسل عقولها بما يقرؤونه من أفكار متمردة عبر الانترنيت، ومن خلال ما يشاهدونه من طوفان المسلسلات الدرامية، إنهم ضحايا حملات التحريض في برامج «التوك شو».

هؤلاء الفتيه أبناء جيل البطالة عشاق النوم نهاراً والسهر ليلاً مع «الشات» وتبادل أحلام اليقظة وأقراص الأوهام المدمرة، والسؤال الذي يبحث عن إجابة: ما معنى أن يحطم الألتراس الأهلاوي محطة القطارات بمدينة الإسماعيلية عقب المباراة الأخيرة؟ وكيف يلقى الزملكاوية الألتراس النيران على الأطفال ويحطموا مداخل بناية تتواجد فيها سفارات أجنبية مثل الدانمارك؟ ما هذا الخلط في المشاعر؟ هل يستمتعون بالمباريات أم يرفعون السيوف في وجه الدولة؟

وللأسف الإعلام الرياضي يلعب دوراً محورياً في تأجيج المشاعر وزيادة الكراهية من خلال أخبار مفبركة وصفقات مختلقة وعناوين مستفزة تقلل من شأن الآخر، القضية ليست رياضيه بل قضية مجتمع يستخدم الرياضة لإلهاء الناس، فإذا بها تقود إلى الفتنة وهذا المعنى نجده في كثير من البلدان العربية التي تعجز أحياناً عن السيطرة على جماهيرها.

يجب على الجميع مواجهة الأزمة بشجاعة وتحمل المسؤولية لإيقاف هذا النزف، وجهود الأمن وحدها لن تكون العلاج الأمثل، بل أكرر أن الإعلام بما له من تأثير، قادر على ضبط الأمور وإعادة التوازن، الإعلام بمعناه الشامل يجب أن يستعيد دوره التنويري لإيقاظ الضمائر وإنقاذ هؤلاء الشباب الغائبين عن الوعي من الفتنة النائمة.