ربما يسجل تاريخ المونديال أن البطولة التي أقيمت في جنوب إفريقيا عام 2010 كانت نقطة تحول في رواج نوع جديد من «البيزنس» لم يكن معروفاً من قبل وهو بيزنس الإرهاب.

في بطولة كأس العالم سمعنا عن بيزنس الملابس الرياضية وصراع «اديداس» مع «بوما» وغيرهما من الشركات العملاقة، وسمعنا عن التنافس الرهيب بين كوكاكولا وبيبسي والملايين التي تدخل خزينة الاتحاد الدولي من وراء هذه التجارة الشرسة.

وفي المونديال منذ عدة أعوام وتحديداً مع بطولة باريس 1998 تفجر الصراع بين القنوات التلفزيونية العملاقة للحصول على حقوق البث الفضائي، ومن هذه الحرب الضروس ظهرت الكلمة اللعينة التي تحولت إلى سلاح لقتل المنافسين وهي كلمة «حصرياً» والتي نجدها إلى كل جوار كل فيلم أو مسلسل أو حتى برنامد توك شو رغم ان الفيلم أو المسلسل متداول ومنتشر ولا علاقة له بالحصرية أو ما يمت اليها بصلة.

في جنوب إفريقيا البيزنس حصري بحق ولم يسبق أن سمعنا عنه، انه بيزنس الإرهاب الذي أصبح شعار مؤسسات الأمن الخاص المنتشرة في الولايات المتحدة وأوروبا، والمونديال كان الكعكة الدسمة التي تهافتت عليها هذه المؤسسات التي يديرها ضباط سابقين لهم باع في سفك الدماء وحماية الأنظمة الشمولية.

وتبحث عن فريسة سهلة، وفي جنوب إفريقيا وجدت هذه الشركات الفرصة، وكان لابد من إدخال الرعب في قلوب العالم ونشر ما يسمى بفقدان الأمن العام في جنوب إفريقيا ولهذا قامت صحف شهيرة مثل صنداي اكسبريس البريطانية بترويج مزاعم عن تهديدات صادرة من أسامة بن لادن تستهدف لاعبوا انجلترا.

وانتشر الخبر كالنار في الهشيم، وعلى نفس المسار أعلنت مؤسسة أمريكية تكافح الإرهاب واسمها «نيفا» أن مونديال جنوب إفريقيا تحيط به مخاطر إرهابية قد تهدد قارة إفريقيا كلها، لاحظ المبالغة في التعبير وتسابقت شركات الأمن الخاص في تقديم عروض مغرية إلى الدولة المنظمة مشفوعة بوساطة من الفيفا الذي يهمه سلامة البطولة وحصوله على الأرباح والعوائد دون مشاكل.

وبالفعل خضعت حكومة جنوب إفريقيا لضغوط بيزنس الإرهاب وتعاقدت مع شركة برازيلية للأمن الخاص، ويتواجد حالياً في مدن البطولة وحول الفنادق والمراكز الإعلامية والمطارات أكثر من ثلاثة آلاف «سوبر مان» برازيلي بثياب مدنية لضبط الأجواء الأمنية، وإدخال الطمأنينة إلى قلوب مسؤولي جنوب إفريقيا.

وبفضل هذا البيزنس الفريد من نوعه تم الكشف عن معتقلات مخيفة تم تشييدها أسفل مدرجات استادات المونديال وهي صورة مصغرة من معتقل جوانتانامو الشهير أو سجن أبو غريب.

ولك أن تصدق عزيزي أن أسفل كل استاد توجد منطقة مظلمة محظورة تضم ثلاث غرف محصنة بجدران من الفولاذ وأبواب لا تفتح إلا عبر دائرة كهربائية ومساحة كل زنزانة لا تزيد على عشرة أمتار وهي جاهزة لاستقبال المشاغبين ولا ادري هل سيطلق عليهم صفة إرهابيين أم مشجعين؟

بيزنس الإرهاب نجح في تخويف جنوب إفريقيا وإقناع رجالها أن المونديال يقف على صفيح ساخن، انه نوع جديد من التجارة يحقق أرباحاً تدخل جيوب مرتزقة الحروب الأهلية الذين ضحكوا على الجميع وأقنعونا أن جنوب إفريقيا معدومة الأمن وان أرواح النجوم والمشجعين في خطر.. والله إنها مهزلة عندما نعلم أن فاتورة الأمن في مونديال جنوب إفريقيا تبلغ 200 مليون يورو وسلم لي على الإرهاب.