تتعدد اليوم الجهود المبذولة، على امتداد العالم الإسلامي، للتوصل إلى صياغات للصورة الإسلامية الجديدة في السياق المعماري، بحيث تجمع بين توظيف التقنيات والمواد والأساليب الحديثة، وتردد أصداء ملامح أليفة ومستقرة في الذاكرة البصرية للجماعات الإسلامية.

هذه الجهود أسفرت، بأوسع المعاني، عن التوصل إلى صياغات رئيسية لها تياراتها الفرعية، وأبرزها هي الصياغة الأندلسية ـ المغربية، الصياغة العثمانية، الصياغة المملوكية، والصياغة الهندية، الفارسية.وربما كانت الإمارات من أكثر الدول التي تتيح المجال رحباً لجهود المعماريين واجتهاداتهم، في الاشتغال على هذه الصياغات، وصولاً إلى تقديم انجازات معمارية في السياق المسجدي، تستحق الوقوف عندها وتأمل مساهماتها في العمارة الإسلامية الحديثة، بكل ما تشهده من انجازات، وأيضا ما تعانيه من صعوبات.

أما الانجازات فهي ملء الآفاق، على امتداد الدول الإسلامية. وأما المشكلات فإن من المحزن ان جانباً ليس باليسير منها يحال إلى المسكوت عنه، الذي نادراً ما يطفو على السطح، وان طفا فإنه لا ينال ما يستحقه من نقاش.

ودعنا نبادر إلى مجرد الإشارة لبعض هذه المشكلات:

* يقول المعماري العالمي تشارلز كوريا ان التقديرات الإحصائية تشير إلى ان المعماريين لا يتعاملون إلا مع 1% فقط من البيئة المبنية في مجتمعاتهم. أما الباقي فيندرج تحت بند البناء العادي المجرد من الهوية والإبداع.

* تميل مجتمعات عديدة إلى اعتبار وجهات نظر المعماريين والمخططين العمرانيين مسائل تتعلق بالذائقة وبالمزاج، وبالتالي فهي لا تحظى بما تستحقه من تقدير واهتمام.

* غالباً ما يندرج المعماريون في تجمعات مهنية أكبر من تخصصهم وبالتالي يندر ان تعالج مشكلاتهم واهتماماتهم في اطار تلك التجمعات المهنية.

* التحديث السريع أدى إلى وقوع أعباء حقيقية على كاهل المعماريين، في العالم الإسلامي عموماً والعربي خصوصاً، فهناك التبني المطلق للنماذج الغربية من بعض أجنحة النخب المتنفذة، وهناك الجنوح إلى الابتذال والإسفاف الشكلاني، وهناك التوجه إلى بلورة نوع من المحلية الشعبوية، والأسوأ من هذا كله احتدام الصراع بين التصورات الجمالية للنخبة وبين تجليات الذائقة الشعبوبة.

* نادراً ما يبرز في غمار هذا كله التقاط الأشكال التقليدية وإعادة صياغتها في سياق حديث بشكل يدفع نحو نمو ايجابي لثقافة المجتمع الإسلامي.

ربما لتعقد هذه المشكلات، فإن المرء يسعد عندما يجد تحت أفق العمارة المسجدية ما يندرج في تبني الاشكال التقليدية وإعادة صياغتها، في إطار حديث يتسم بالايجابية.

والى هذا الأفق المعماري، على وجه الدقة، ينتمي مسجد راشد محمد بخيت الفلاسي في الجميرا بدبي.

لا حصر للمرات التي لفت نظر ابنتي الصغرى، ونحن نمر بهذا المسجد، الى ان تيجان أعمدته تردد أصداء غلاف مرجع شهير في العمارة يعد من أبرز المراجع في دراسة العمارة الاسلامية في شبه القارة الهندية.

هذه الملاحظة لم تأت من فراغ، فالمسجد بالفعل ينتمي الى الصياغة الهندية ـ الفارسية للصورة الاسلامية الجديدة في السياق المسجدي، ولكنه هنا انتماء بامتياز حقاً.

في مجمل كتلة المسجد سنلاحظ بوضوح ميل التقاليد الهندية الفارسية الى جعل بيت الصلاة كتلة نحتية قوية وراسخة، كأنما أبدعت لتناطح العقود والقرون ولتصمد في وجد عوامل الزمن.

هذه الكتلة تؤطرها مئذنتان بديعتان، تنتميان الى هذا الطراز زخرفة وانشاء، والقبلة ذات التضليع الجميل، التي تردد أصداءها مجموعة قباب صغيرة، تتناغم بقوة مع هذا الاطار.

تأمل هذه الاروقة البديعة وعقودها، وانظر تيجان أعمدتها وزخارفها، ودع ناظريك يحلقان الى الميداليات الجصية البديعة.

لاحظ أن انشاء بهذه القوة وهذا الرسوخ لا يمكن إلا ان يتكامل معه مشروع زخرفي يحمل الصفات والسمات نفسها، وفي اطاره نجد المقرنصات البديعة، والنقوش الهندسية والنباتية، والزجاج المعشق الرائع، وحشوات الخط البديعة، التي ينهل النور عليها، فيتيح لك تأملها معنى ومبنى.