إذا نحينا جانباً ـ إلى حين ـ القضايا المتعلقة بالأشكال والمفردات المعمارية، التي ينبغي تبنيها في غمار النهضة المعمارية الكبيرة في الإمارات، لدى التعامل مع السياق المعماري المسجدي، فإننا نجد أنفسنا حيال قضايا أخرى، على جانب كبير من الأهمية أيضاً، تتعلق بالسياق الاجتماعي الذي توظف فيه اللغة المعمارية.

في هذا الصدد يؤكد لنا المعماري الكبير ونائب الرئيس السابق للبنك الدولي دكتور إسماعيل سراج الدين أن من البديهي أنه لا يمكن دراسة العمارة، أي عمارة، من دون فهم معمق للمجتمع الذي أنتجها، والذي يتعامل معها.بهذا المعنى فإنه يثير دهشتنا، إلى أبعد الحدود، أن قسم العمارة بالجامعة الأميركية بالشارقة، على سبيل المثال، لم يقم ـ حتى الآن ـ بعقد ندوة موسعة تضم كبار خبراء العمارة الإسلامية حول العلاقة بين المحيط الاجتماعي ـ الثقافي ووظائف المسجد المتغيرة في مجتمع متغير.

من هذا المنظور تبرز ثلاثة أسئلة محددة، يختزل كل منها قضية جديرة بالمناقشة والتأمل حقاً، وهذه الأسئلة هي: أولاً: إلى أي حد ينبغي أن تنعكس التغييرات الوظيفية المتعلقة بالمسجد في الشكل المعماري وإلى أي حد يتعين على المعماري أن يستجيب لرسائل أخرى رمزية أقل وضوحاً في غمار قيامه بتوظيف نطاق متزايد في اتساعه من تقنيات البناء؟

هل تطور الأبنية البديلة أو نقط التقاء الأنشطة بها قاموسها المعماري الخاص والمثال الواضح هو اختيار الجامعات الحديثة، في مفارقة لتقاليد الجامعات العريقة في العالم الإسلامي، بناء مراكز طلابية مستقلة ومناطق تجمع ونقاط التقاء للأنشطة بينما وضعت المسجد في وضعية قاعة الصلاة الوظيفية. فهل يمكن لوظائف هذه الأبنية المختلفة أن تصنف ضمن المنشآت المعمارية للمسجد الحديث؟

؟ ثالثاً: هل يمكن للأغراض المتعددة للمجمعات الإنشائية الحديثة أن يعاد تحديدها مثلما يعاد تحديد الوظائف الجديدة لبناء المسجد أم أن من المحتم أن يحال المسجد إلى أداء الصلاة فحسب من خلال ضرورات الاستجابة لمتطلبات وظيفية أكثر تحديداً؟

هذه الأسئلة، وربما غيرها كثير، يحملها المرء زاداً معه، وهو يمضي في رحلته لتأمل جامع الهدى في منطقة الخان بالشارقة.

من الواضح أن هذا الجامع هو أحد المفردات الأكثر بروزاً في مجموعة المساجد حديثة الإنشاء، التي سبقت الإشارة إليها، والمطلة على بحيرات الشارقة، والتي تعكس نزوعاً جمالياً محافظاً، يحيل إلى أرقى تقاليد العمارة الإسلامية وأكثرها التصاقاً بالذاكرة البصرية لغالبية المسلمين.

هنا إحالة بديعة إلى العمارة المملوكية المتأخرة مع إضافات جمالية، تعيد أصداء تصميمات المهندس الايطالي ماريو روسي، مع وصولها إلى ذروتها في مسجد المرسي أبي العباس في منطقة الرمل بالإسكندرية وجامع المركز الإسلامي في واشنطن.

العين تتوقف عند المآذن الرشيقة في استطالتها، الراسخة في قواعدها، المتكاملة مع القباب، والأعمدة التي تصل إلى قمة الرهافة والدقة مع مواصلة أدائها لوظائفها.

انظر التقسيم البديع لحائط القبلة، وصولاً إلى القياس الإنساني، ولاحظ ما يواكبه من إبداع زخرفي في المحراب، الذي يذكرك بمحراب مسجد السلطان حسن بالقلعة في مصر المحروسة. تأمل تفاصيل المشروع الزخرفي والدور البديع الذي يلعبه النقش النافر والتوظيف الرائع لجماليات الخشب. ولكن في غضون ذلك عد إلى القضايا ـ الأسئلة التي حملتها معك زاداً في الطريق إلى المسجد.

ألا تجد ـ معي ـ أن توسيع النطاق الوظيفي لهذه النوعية من المساجد ليمتد من إقامة الصلاة وتحفيظ القرآن ودروس التفسير والتجويد والمكتبة إلى خدمات النسيج المحيط من تعليم للمهارات الحرفية النافعة وخدمات التدريس والخدمات الصحية هو تطور طبيعي ومنطقي ومقبول؟