من هنا نقدم سبيكة معرفية نحكي فيها عن أصول الكلمات والمصطلحات والمفاهيم التي يستخدمونها في حياتنا الراهنة.. من الانجليزية الى العربية.
ومن خلال هذا الجهد الذي استغرق مراحل زمنية مطولة وعمد الى استشارة مراجع متخصصة شتى.. آثرنا أن نعرضه على شكل موسوعة عربية مصغرة نانو موسوعة رتبناها على حروف الأبجدية العربية من الألف الى الياء بحيث نخّص كل حرف منها بثلاثة مصطلحات يطالعها القارئ الكريم على امتداد أيام رمضان المعظم.
الثلاثي المفيد في دنيا المعلومات وعالم المصطلحات والمسميات يصدق عليه ثلاثة مسميات أو مصطلحات:لدينا أولاً الأنسيكلوبيديا: وهي كما يعرف الكل دائرة المعارف..
وهي أيضا موسوعة المعلومات الكبرى. وقد حاول فريق من مثقفي مصر خلال الأربعينات والخمسينات أن يغيروا اسمها إلى «المعْلَمة» ولكن التسمية ولدت لكي تموت وبقيت دائرة المعارف أو الانسيكلوبيديا التي ترجع في جذورها اليونانية الى كلمتين: الأولى انكوكيوس (انسيكلوس) وتتصرف الى معنى الدوري والمنتظم والثانية هي «بيديا» ومعناها التربية والتعليم ومن ثم فالمعنى كاملا لانسيكلوبيديا هو «التعليم.. التثقيف العمومي».
لدينا ثانيا الوايكي بيديا: وهي عبارة عن دائرة معارف مستجدة مع دخول بل واقتحام الحاسوب والانترنت والاتصالات الفضائية والالكترونية حياتنا المعاصرة..
وايكي تفيد معنى السرعة ومن ثم فإن الوايكي بيديا باختصار شديد هي دائرة معارف يحررها كاتبوها بمعنى أنها تقبل الكتابة والإضافة وربما التحوير والتعديل من جانب كل من يطلع عليها ويتابعها في العالم.. وبهذا فقد نزلت بدوائر المعارف التقليدية من علياء أبراج الارستقراطية الفكرية الى ديمقراطية عباد الله العاديين.
لدينا ثالثا النانوبيديا: وهي المصطلح الذي قمنا من جانبنا اليعربي باصطناعه ليصدق على الموسوعة الصغيرة بل هي المصغرة التي نحرص على تقديم.. مفرداتها..
مداخلها على امتداد الأيام الثلاثين الطيبة المقبلة إن شاء الله.. «نانو» في لغة اليونان هي القزم وهي الأشياء المتناهية الصغر أو الصغرية كما قد يقال وأحدث ما استجد في زماننا هو ما توصل إليه التقدم التكنولوجي هو التطوير الذي أدخله العلامة العربي أحمد زويل في مجال تكنولوجيا الصغريات - النانو تكنولوجي حيث الفمتو الكاميرا أو العدسات المجهرية البالغة الصغر والدقة والسرعة في آن معاً.
بعد هذه المصطلحات الثلاثة نستكمل على مدى حروف الأبجدية العربية 29 يوما نعرض فيها يومياً 3 مصطلحات ومسميات قاصدين الى أن يتم الله علينا نعمته فإذا بنا وقد أحطنا بما يفيد بشأن 90 مصطلحا بالتمام والكمال.
وليس لأحد أن يستهين بدور المصطلح أو المسمَّى أو الكلمة بشكل عام في حياتنا الراهنة..
إن الكلمة ليست ضيفا مستجدا علينا: إنها معنى ولا هي كائن طفيلي يقتحم حياة الناس بغير تمهيد أو استئذان.. ولا الكلمة أيضا مخلوق هجين.. ينمو شيطانيا كما قد يقال.. الكلمة الأصيلة.. ذات المعنى العميق وذات المفهوم الواسع البليغ.. مخلوق حقيقي.. له جذور يمكن تقصّيها وله بيئة شهدت مولده وتطوره ونضوجه.
. وله أقارب وأصهار وعائلة ينتسب إليها.. ولعائلة الكلمة.. أو هي الأسرة اللغوية التي تولد الكلمة في كنفها ويعيش وينمو المصطلح بين ظهرانيها.. وجود بارز ومعالم متميزة يستوجب الأمر التعرف عليها ومحاولة فهم ما ترمي إليه من مفاهيم وما تشير إليه من دلالات.
لايزال أفضل وأدق تعريف للإنسان هو:
-أنه حيوان.. ناطق.
بمعنى أنه كائن حي يتعامل مع الكلمة حيث لا يقتصر المعنى على مجرد النطق بالحروف أو ترداد المقاطع أو الألفاظ.
وبمعنى أن الكلمة لابد وأن تدل على مفهوم يستوعبه العقل.. وبحيث تكون وظيفة الكلمة ـ المفهوم هي تفعيل عملية التواصل بين الناس على امتداد مراحل الزمن وتنوع أجيال البشر، هذا الامتداد هو الذي يؤدي الى تراكم معارف الناس وخبرات الشعوب وهذا التراكم هو الذي يصوغ الذاكرة للفرد وللجماعة أيضا.
ومرة أخرى يصدق التعريف البسيط والبليغ الذي يميز الكائن البشري عن سائر مخلوقات الله سبحانه عن عالم الحيوان.. والتعريف يقول ببداهة مباشرة:
- الإنسان.. حيوان له.. ذاكرة.
والذاكرة هي مستودع الخبرة.. ومحصلة الخبرات الجمعية للشعوب.. في إطار من تراكمها الكمي وفي سياق تجمّعها الكيفي هي التي تنقل حياة الناس من مستوى راهن الى مستوى أفضل وبأسلوب أرقى.. وهذا بالضبط ما يطلق عليه الناس وصفا معينا هو: الحضارة.
والفضل أولا وأخيرا لهذا الكائن البسيط المعبر الجميل: الكلمة
إذا صدرت عن العقل أنتجت المعرفة وإن صدرت عن الوجدان تحولت الى نغمة موسيقى أو إلى مطلع قصيدة.
وإن صدرت عن القلب - الفؤاد كانت دعاءً وكانت ابتهالا وكانت ضراعة وصلاة.
تأمل مفتتح الكتابات المقدسة يقول:
-في البدء.. كان الكلمة.
تأمل تعبير كتاب الله الكريم في تبشّر مريم البتول عليها السلام في سورة آل عمران (الآية رقم 45):
-«إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم».
وليس صدفة أن يحتفل الكتاب الكريم بلفظة «كلمة» فيوردها مفردة في 28 موضعا ثم يعلي من شأن الكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها في كل حين بإذن ربها.. فيما يزيد الكتاب من شأن الكلمة فيستخدمها في صيغة جمع المؤنث «كلمات» 8 مرات ويستخدمها .
وقد ألحق بها الضمير العائد الى مقام الحق تبارك وتعالى.. لا مبدل «لكلماته» في 6 مواضع ويشتق منها في بلاغة معجزة مصطلح «الكلم» لكي يؤدي المصطلح رسالة تحذير إزاء الذين زينت لهم أهواؤهم فإذا بهم يحرفون الكلم عن مواضعه، كما يؤدي المصطلح أيضا رسالة وعْد للمؤمنين القانتين واعدا إياهم بقوله: إليه يصعد الكلم الطيب.
يرد مصطلح الكلم في سور كتابنا الكريم في 4 مواضع وأخيرا تشتق بلاغة السماء تعبيرا يومئ إلى تكرار حدث التواصل بين نبي الله موسى وبين ربه سبحانه وتعالى وهو ما يرد بصيغة التمييز في موضع فريد واحد (الآية 64 من سورة النساء) إذ يقول:
- «وكلمّ الله موسى تكليما». صدق الله العظيم.
في ضوء هذا كله يأتي شغفنا بالكلمة وخاصة كلمات عصرنا مع مطلع هذا القرن الحادي والعشرين.
من دوافع هذا الشغف أن أمتنا العربية - الإسلامية تحولت الى وضع الأخذ والاستيراد في عالم اليوم بعد أن ظلت على مدار قرون عديدة خلت - في موقع العطاء والإبداع.
ولا بأس.. فليس لنا أن نظل نندب حظوظنا، ذلك لأن مشعل حضارات البشر ينتقل بقوانين الضرورة من أمة الى أخرى ومن إقليم الى آخر يكتسب من خبرات الأمم وتجاربها وابتكاراتها ومعارفها وقودا أو زيتا جديدا بحيث يظل يضيء مسير الإنسانية على طريق الرشد والإبداع والانتاج والتطور والعدل والسلام.
والشرط الجوهري في هذا السياق هو أن نفهم ما يدور من حولنا.. وأن نحسن التفاعل مع دورة الحياة التي لا تنقطع حركتها في العالم الذي نعيش فيه.
مع مطلع كل صباح يبدع العالم شيئا جديدا وخاصة في ميدان العلم والتكنولوجيا.
ومع كل إبداع مستجد ينشأ مفهوم جديد.. ومع كل مفهوم تصاغ كلمة أو مصطلح غير مسبوق.
والناس لا تخترع الكلمات من فراغ.. ولكنها تحيل الى مخزون الإنسانية الحضاري وتحاول أن تستخرج من أرصدته التراكمية كلمات ومفاهيم ومصطلحات. والبشر يستخدمون لهذا الغرض أدوات الاشتقاق أو النحت أو المزج أو التماثل أو المقارنة أو القياس أو حتى إحياء القديم إذ هم ينتدبونه لكي يؤدي مهام جديدة.
ومن حق لغتنا العربية علينا أن نحاول إثراءها وتزويدها - قدر الإمكان - بقراءتنا لهذه المفاهيم.. الكلمات.. الألفاظ والمصطلحات.
وفي مقدمة الأدوات التي نستخدمها في هذا المضمار أداة نراها غاية في الأهمية بل والطرافة العلمية في آن معا: اسمها الاتيمولوجيا.
ومعناها بإيجاز شديد: علم تأصيل الكلمات (في رأي أستاذنا الدكتور مجدي وهبة عليه رحمة الله في معجمه «النفيس»).
وبقدر من التفصيل فالاتيمولوجيا علم يعني بتقصي النشأة الفطرية الأولى التي ولدت في سياقها الكلمة التي تستخدمها في حياتنا المعاصرة ـ بالأدق يستخدمها أهل الغرب الذين سبقونا ومازالوا يسبقون في مجالات الفكر والعلم والتكنولوجيا ـ أنهم يشتقون ألفاظهم وينحتون كلماتهم من أصول يونانية أو لاتينية أو سنسكريتية (لغة الهند القديمة وهناك من يعدّها اللغة الأصل لمعظم لغات غرب أوروبا.. أم اللغات إذا أجزنا التعبير) ومن مصطلحات عالمنا أيضا ما يستعير ألفاظه من لغتنا العربية أو من شقيقاتها اللغات السامية وغيرها..
وفي سياق عملية الاشتقاق أو الاستعارة يصادف الباحث قصصا طريفة وحكايات مثيرة وملابسات تستحق أن تروى، وكلها تشير الى وحدة التجربة الإنسانية، ومن ثم فالبشر يشتركون في بناء تراث واحد أو حضارة معاصرة متجانسة أو متكاملة أشبه بنهر جار متدفق يستقي مياهه من روافد شتى، بعضها ينبع من الشرق والبعض الآخر يشق طريقه من الغرب.
ولا مناص في هذا السياق من اعتماد اللغة الانجليزية بوصفها اللغة - المحور، أو اللسان - العمدة في تناولنا هذا الموضوع من جانبيه: الموضوعي والطريف. نبادر أيضا فنقول أن قوة الإنجليزية وشيوعها في أرجاء عالمنا ليست مستمدة أساسا من حجم الأمة أو الشعوب الناطقة بها. العكس هو الصحيح..
ثمة كتاب أصدره مؤخرا باحث متخصص في علم اللغات هو الدكتور نيكولاس أوستلر وهو من خريجي جامعة اكسفورد، الكتاب بعنوان «التاريخ اللغوي للعالم» ويحوي جدولا بأهم 20 لغة في الدنيا..
وفي الجدول تأتي الانجليزية في المرتبة الثانية حيث يستخدمها 508 ملايين نسمة فيما تتصدر لغة الماندرين الصينية رأس الجدول (1052 نسمة) ولغتنا العربية تأتي في المرتبة الخامسة بعد الروسية وقبل البنغالية رغم أن الباحث يتوقف كثيرا عند شيوع اللهجات العامية والانقسامات القطرية التي باتت في رأيه تهدد العربية الفصحى.
وفي كل حال فقد نغتنم السياق لكي ننبه في هذه السطور الى تلك الظاهرة أو الآفة التي تتمثل في تكريس العاميات على حساب مكانة وبلاغة العربية الفصحى خاصة وقد أضحت لغتنا العربية ـ وهي لغة القرآن الكريم ـ الوشيجة الوحيدة المتبقية للحفاظ على وحدة الأمة العربية واستمرار ثقافتها وربما باتت اللغة هي السور الوحيد الباقي لحفظ كيان الأمة ووجودها مجرد وجودها وبقائها.
في كل حال: رأينا أن نبني جسورا من المعرفة والتواصل بين لغتنا العربية وبين الكلمات والمصطلحات التي تتقافز من حولنا في عوالم الفكر.. الفلسفة.. الثقافة.. الإعلام.. العلم.. التكنولوجيا وربما السياسة والدبلوماسية وأصول الحكم وما اليها.
