المدرب المواطن في خطر

أعادت إقالة عبدالمجيد النمر من تدريب خورفكان بعد جولتين فقط من انطلاقة دوري أدنوك للمحترفين، فتح ملف المدرب المواطن على مصراعيه، في ظل التراجع اللافت لحضور الكفاءات الوطنية على مقاعد الأجهزة الفنية.

ومع رحيل النمر، أصبح محمد الجالبوت، مدرب البطائح، المواطن الوحيد بين 29 فريقاً في دوري المحترفين (14 نادياً) والدرجة الأولى (15 نادياً)، بعدما فضلت الغالبية الاستعانة بالمدربين الأجانب.

ولم يعد النقاش مقتصراً على قرار فني يخص نادياً بعينه، أو على تقييم تجربة مدرب لم يحصل على الوقت الكافي، بل تجاوز ذلك إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل المدرب الإماراتي في منظومة كرة القدم المحلية.

فكلما غادر مدرب مواطن موقعه بعد فترة قصيرة، عادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول أسباب تراجع الثقة بالكفاءات الوطنية، ومدى استعداد الأندية لمنحها الفرصة نفسها التي تمنحها للمدرب الأجنبي.

وجاء قرار خورفكان عقب خسارتين متتاليتين أمام شباب الأهلي 1 - 5 والعين 0 - 2، ليكون النمر أول مدرب تتم إقالته في الموسم الجديد، وهو ما اعتبره عدد من المحللين مؤشراً إضافياً على صعوبة حصول المدرب المواطن على فرصة حقيقية ومستقرة.

ورغم أن النتائج تمثل عاملاً أساسياً في تقييم أي جهاز فني، فإن توقيت الإقالة أثار علامات استفهام، خصوصاً أن الفريق خاض مباراتين فقط أمام منافسين يملكان إمكانات كبيرة وخبرة واسعة في المسابقة.

وتبقى إقالة النمر بعد مباراتين جرس إنذار جديداً، ليس فقط بالنسبة إلى خورفكان، وإنما لملف المدرب المواطن بأكمله، الذي يحتاج إلى الثقة والاستقرار والتقييم الفني المتكامل، حتى لا يتحول «ابن البلد» إلى خيار مؤقت أو مدرب طوارئ، بينما تبقى الفرص الحقيقية حكراً على المدرب الأجنبي.

تراجع

«البيان» سلطت الضوء على هذا الملف حيث تكشف المقارنة مع المواسم السابقة حجم التراجع، إذ وصل عدد المدربين المواطنين في دوري المحترفين والدرجة الأولى إلى 12 مدرباً في موسم 2023 - 2024، قبل أن يتراجع العدد تدريجياً حتى بات وجود المدرب الإماراتي استثناءً نادراً.

ويعكس هذا التراجع فجوة بين ما يملكه المدرب المواطن من تأهيل وخبرة، وبين حجم الفرص التي يحصل عليها فعلياً داخل الأندية.

تمنح الأرقام القضية بعداً أكثر وضوحاً، وتكشف حجم التراجع الذي طرأ على حضور المدرب المواطن في مسابقات كرة القدم الإماراتية خلال السنوات الأخيرة.

فبعد أن شهدت الساحة الفنية فترات كان فيها المدرب الإماراتي حاضراً بأكثر من اسم، تقلص هذا الوجود بصورة لافتة، حتى أصبح شبه غائب عن المشهد الحالي.

وتشير التجارب السابقة إلى أن حضور المدرب المواطن لم يكن جديداً على دوري المحترفين، إذ وصل عدد المدربين المواطنين الذين قادوا فرق المسابقة خلال موسم 2010 - 2011 إلى أربعة مدربين، من بينهم:

عبدالحميد المستكي وخليفة مبارك ومهدي علي، قبل أن يشهد الموسم التالي غياباً كاملاً للمدرب المواطن عن قائمة مدربي دوري المحترفين. ومنذ ذلك الوقت، تأرجح حضور المدرب الوطني بين الظهور المحدود والغياب، من دون أن يتحول إلى مسار مستقر داخل الأندية.

وفي الفترة بين 2017 و2021، برز عبدالعزيز العنبري كأحد أبرز المدربين المواطنين، فيما شهد موسم 2020 - 2021 حضور مهدي علي مع شباب الأهلي، والعنبري مع الشارقة، وسالم ربيع مع الوصل، ومحمد الجالبوت مع الإمارات في بداية الموسم.

وتواصلت التجارب في موسم 2022 - 2023، بوجود العنبري مع خورفكان، ومعتز عبدالله مع البطائح، وحسن العبدولي مع دبا الفجيرة. ورغم تفاوت نتائج هذه التجارب، فإن تعدد الأسماء منح المدرب المواطن فرصة مهمة لاكتساب الخبرة والاحتكاك بمستويات مختلفة من المنافسة.

أما موسم 2023 - 2024، فقد شهد حضوراً لافتاً بلغ 12 مدرباً مواطناً في دوري المحترفين والدرجة الأولى، بينهم 10 مدربين في دوري الدرجة الأولى ومدربان في دوري المحترفين، وهو رقم يعكس اتساع قاعدة المدربين المواطنين في ذلك الوقت، قبل أن يبدأ العدد في الانحسار بصورة واضحة خلال المواسم التالية.

إنجازات

وتؤكد مسيرة الكرة الإماراتية أن المدرب المواطن سبق أن حقق إنجازات بارزة عندما توفرت له الثقة والاستقرار. ويبرز مهدي علي نموذجاً مهماً، بعد قيادته المنتخب الأولمبي للتتويج بكأس آسيا الأولمبي عام 2008، والتأهل إلى أولمبياد لندن 2012، إلى جانب تحقيق المركز الثالث مع المنتخب الأول في كأس آسيا 2015.

وتكمن أهمية تجربة مهدي علي في أنها أثبتت أن المدرب المواطن قادر على قيادة جيل كامل من اللاعبين، وبناء هوية فنية واضحة، وتحقيق نتائج على المستوى القاري.

ولم تكن تلك النجاحات وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة عمل طويل بدأ من المراحل السنية والمنتخبات الأولمبية، قبل الانتقال إلى المنتخب الأول، وهو ما يؤكد أهمية التدرج والاستمرارية في صناعة المدرب.

كما يمثل عبد العزيز العنبري نموذجاً بارزاً، بعدما قاد الشارقة إلى لقب دوري المحترفين موسم 2018 - 2019، ليكسر احتكار المدربين الأجانب للقب.

وقد نجح العنبري في قيادة فريقه خلال موسم تنافسي، وتعامل مع الضغوط الجماهيرية والإعلامية، وأثبت أن المدرب المواطن يستطيع الوصول إلى أعلى منصات التتويج عندما يحصل على الدعم والثقة، وقاد عيد باروت الإمارات إلى كأس رئيس الدولة، ونجح وليد عبيد في قيادة حتا إلى لقب دوري الدرجة الأولى والتأهل إلى دوري المحترفين.

كما سبق للدكتور عبدالله مسفر قيادة حتا والظفرة والفجيرة إلى دوري المحترفين، وهي إنجازات تؤكد أن المدرب الوطني لم يكن غائباً عن المشهد بسبب ضعف الإمكانات، وإنما بسبب محدودية الفرص واستمرار التفضيل الإداري للمدرب الأجنبي.

ويظل الشارقة حالة لافتة بتتويجه مع مدربين مواطنين بلقب الدوري، هما عبد العزيز العنبري وجمعة ربيع. وتقدم هذه التجارب دليلاً عملياً على أن المدرب المواطن قادر على تحقيق البطولات، وليس فقط إدارة الفرق في المراحل الانتقالية أو تفادي الهبوط.

حاجة لوقت إضافي

وصف المحلل والناقد الرياضي عادل محمد، قرار خورفكان بإنهاء مهمة النمر بعد مباراتين فقط بأنه متسرع مشيراً إلى أن الفريق واجه منافسين من العيار الثقيل في بداية الموسم، هما: شباب الأهلي والعين.

وأوضح أن الحكم على الجهاز الفني بعد 180 دقيقة فقط لا يعكس بالضرورة حقيقة مستوى الفريق، لافتاً إلى أن النمر كان يحتاج إلى وقت للتعرف بصورة أكبر إلى إمكانات اللاعبين، والوصول إلى التوليفة المناسبة ومعالجة الأخطاء التي ظهرت في المباراتين.

وأضاف أن المدرب الجديد يحتاج عادة إلى فترة زمنية حتى يشرح أفكاره للاعبين، ويحدد الأدوار، ويعيد تنظيم الخطوط، خصوصاً إذا كان الفريق قد شهد تغييرات في قائمته أو أسلوب لعبه خلال فترة الإعداد.

وأكد عادل محمد أن خسارتي شباب الأهلي والعين لا تعنيان أن المسؤولية الفنية تقع على المدرب وحده، مشيراً إلى أهمية دراسة ظروف المباراتين ومستوى المنافسين والأخطاء الفردية والجماعية.

فالمباراة أمام فريق كبير قد تكشف جوانب سلبية، لكنها في الوقت نفسه لا تمنح صورة كاملة عن قدرة الفريق على المنافسة أمام بقية الأندية، ولا يمكن أن تكون وحدها أساساً لاتخاذ قرار مصيري.

وأشار إلى أن تقييم المدرب يجب أن يشمل مجموعة من العناصر، من بينها مستوى الانضباط التكتيكي، وقدرة الفريق على صناعة الفرص، والتطور من مباراة إلى أخرى، ومدى انسجام اللاعبين مع الأفكار الفنية، وليس النتيجة النهائية فقط. وفي بعض الحالات، قد يخسر الفريق مباراة بفارق كبير، لكنه يظهر مؤشرات إيجابية يمكن البناء عليها، بينما قد يحقق فريق آخر نتيجة ضيقة من دون أن يقدم أداءً مقنعاً.

«عقدة الخواجة»

من جانبه، يرى هلال محمد النقبي، المدرب الوطني السابق باتحاد الكرة والمدير الفني لعدد من الأندية، أن «عقدة الخواجة» ما زالت حاضرة لدى بعض الإدارات، الأمر الذي يرفع من أسهم المدرب الأجنبي على حساب المواطن.

وأوضح أن بعض الأندية تتعامل مع المدرب الأجنبي باعتباره الخيار الأكثر أماناً، حتى قبل دراسة سيرته الفنية ومدى ملاءمته لطبيعة الفريق، بينما يُطلب من المدرب المواطن إثبات نفسه خلال فترة قصيرة جداً، وتتم محاسبته على كل تعثر بصورة مضاعفة.

ويرى أن هذا التفاوت في المعايير يضع المدرب الوطني أمام تحديات إضافية، ويجعله مطالباً بتحقيق نتائج فورية من دون أن يحصل على الظروف نفسها التي تتوافر لغيره.

وأكد أن الإمارات تمتلك مدربين وطنيين حاصلين على شهادات ودورات تدريبية معتمدة من الاتحاد الدولي والاتحادات القارية، ولا يقلون من حيث التأهيل عن العديد من المدربين الأجانب.

كما أن عدداً منهم عمل في قطاعات المراحل السنية والمنتخبات والأندية، واكتسب خبرة في التعامل مع اللاعبين وتطويرهم، فضلاً عن معرفته بطبيعة المنافسات المحلية والبيئة الرياضية في الدولة.

وأضاف أن الأندية مطالبة بوضع خطط واضحة لتطوير المدربين المواطنين، بدلاً من الاكتفاء باستدعائهم في ظروف استثنائية. ويمكن أن تبدأ هذه الخطط بمنحهم مسؤولية فرق الرديف أو المراحل السنية، ثم إشراكهم في الأجهزة الفنية للفريق الأول.

وصولاً إلى تولي القيادة الكاملة. وبهذه الطريقة يصبح الانتقال تدريجياً ومدروساً، بدلاً من أن تكون التجربة الأولى للمدرب المواطن في الفريق الأول مرتبطة بمرحلة إنقاذ أو أزمة.

مدرب طوارئ

ويرى المحلل الفني محمد مطر غراب، أن المدرب المواطن أصبح في كثير من الأحيان «مدرب طوارئ» يتم اللجوء إليه مؤقتاً إلى حين التعاقد مع جهاز أجنبي، وهو ما يعرقل تطوره ويحد من فرصه في بناء مسيرة تدريبية مستقرة.

وأوضح أن هذا النمط من التعامل يرسل رسالة سلبية إلى المدرب واللاعبين والجمهور، إذ يشعر الجميع بأن المدرب الوطني لم يتم اختياره ضمن مشروع طويل الأمد، وإنما جاء لسد فراغ مؤقت.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح المدرب مطالباً بتحقيق نتائج سريعة، بينما يعلم أن مستقبله مرتبط بقرار إداري قد يصدر في أي لحظة، وهو ما ينعكس على أجواء العمل والاستقرار داخل الفريق. ودعا غراب إلى منح المدرب الوطني الثقة والصلاحيات والوقت الكافي.

مشيراً إلى أن التجارب السابقة أثبتت قدرة الكفاءات الإماراتية على تحقيق النجاح، مستشهداً بمهدي علي وما حققه مع المنتخبات والأندية. وأكد أن نجاح أي مدرب لا يرتبط بجنسيته، بل بقدرته على بناء فريق متماسك، وتطوير اللاعبين، وإدارة المباريات، والتعامل مع الظروف المختلفة.

وأكد أن تقييم المدرب يجب ألا يعتمد على النتائج فقط، بل يشمل أفكاره وتطوره الفني والقيمة التي يضيفها للفريق والعمل الجماعي، مطالباً بالتعامل مع المدرب المواطن بالمعايير نفسها التي يتم التعامل بها مع الأجنبي. فالمدرب الأجنبي قد يحصل على أشهر عدة قبل إصدار الحكم عليه.

بينما لا يحصل المدرب المواطن أحياناً على أكثر من مباراتين أو ثلاث، وهذا الفارق في الوقت يضعف فرص نجاحه حتى لو كان يمتلك مشروعاً فنياً جيداً. وأشار إلى أن المدرب المواطن يعرف طبيعة اللاعب الإماراتي.

ويدرك خصوصية المجتمع والبيئة المحلية، ويمكنه التواصل بصورة مباشرة مع اللاعبين والإدارات والجمهور. وهذه المزايا لا تعني أنه معفى من النقد أو المحاسبة، لكنها تعني أنه يستحق فرصة عادلة، وتقييماً موضوعياً، ودعماً فنياً وإدارياً يساعده على النجاح.

  ناصر اليماحي: إنقاذ المدرب المواطنيحتاج مشروعاً متكاملاً  

أكد ناصر اليماحي، رئيس مجلس إدارة نادي الفجيرة، أن إنقاذ المدرب المواطن لا يمكن أن يكون مسؤولية الأندية وحدها، بل يحتاج مشروعاً متكاملاً تشارك فيه الأندية واتحاد الكرة والمؤسسات الرياضية، عبر برامج تطوير ومنح فرص تدريجية للمدربين المواطنين.

فالمدرب لا يصنع بالبطولات والشهادات فقط، وإنما بالممارسة وخوض المباريات والتعامل مع الضغوط. ومن ثم فإن منحه فرصة قصيرة ثم إقالته عند أول تعثر لن يسهم في صناعة جيل تدريبي قادر على المنافسة.

كما أن تطوير المدرب يجب أن يشمل الجوانب الفنية والإدارية والنفسية، إلى جانب إتاحة فرص الاحتكاك بالمدارس التدريبية المختلفة وحضور المعسكرات والدورات المتقدمة.

وأضاف: يمكن للأندية أن تضع مؤشرات واضحة لتقييم المدرب، تشمل النتائج والأداء وتطور اللاعبين والانضباط التكتيكي والاستقرار داخل غرفة الملابس. كما يمكنها تحديد مدة زمنية معقولة للمشروع الفني، مع إجراء مراجعات دورية بدلاً من اتخاذ قرارات انفعالية بعد كل خسارة.

ويشير اليماحي إلى أن اتحاد الكرة والمؤسسات الرياضية يمكنهم دعم المدربين المواطنين من خلال برامج تأهيل مستمرة، وتوفير فرص للعمل في المنتخبات والمراحل السنية، وتشجيع الأندية على إشراكهم في مواقع فنية مؤثرة. كما أن الإعلام والجمهور يتحملان جزءاً من المسؤولية، عبر منح المدرب فرصة عادلة وعدم تحويل كل تعثر إلى حملة تشكيك في قدراته.