كانت نظيرة بنت أحمد الحارثية تستعد لقمة جديدة حين انتهت رحلتها، ففي آخر منشور لها على «إنستغرام»، كتبت من مدينة سكاردو الباكستانية عن أيام تجمع بين الاستعداد والاستكشاف، وتجهيز المعدات، واستكمال الاحتياجات الأخيرة، والحفاظ على التدريب قبل الوصول إلى المخيم الرئيسي، وختمت رسالتها بجملة بدت آنذاك بداية مرحلة جديدة: «والآن اقترب موعد الانطلاق نحو بداية المسار، استعدادًا لمرحلة جديدة ضمن مشروع إكمال القمم الـ14 الأعلى في العالم»، بعد أيام، تحولت الكلمات إلى وداع.
توفيت المتسلقة العُمانية نظيرة الحارثية إثر انهيار ثلجي على جبل «برود بيك» في باكستان، إحدى القمم التي يتجاوز ارتفاعها 8000 متر، ضمن سلسلة كاراكورام، وهي سلسلة جبلية شاهقة تمتد بين باكستان والهند والصين وتضم عدداً من أعلى وأخطر القمم في العالم.
ووفق وكالة الأنباء العُمانية، عُثر على جثمانها أسفل موقع الانهيار، بعدما جرفت الثلوج فريق التسلق من ارتفاع يقارب 6600 متر، كما نقلت تقارير عُمانية أن جثمانها نُقل بمروحية إلى سكاردو، تمهيداً لاستكمال الإجراءات الرسمية لنقله إلى سلطنة عُمان.
ولم تكن نظيرة مجرد متسلقة وصلت إلى قمم عالية، كانت واحدة من أكثر الشخصيات الرياضية العُمانية حضوراً في الذاكرة العامة لأنها جعلت رياضة تبدو بعيدة عن البيئة الخليجية جزءاً من الحكاية الوطنية، ففي عام 2019، أصبحت أول امرأة عُمانية تصل إلى قمة جبل إيفرست، وثاني عُماني يحقق هذا الإنجاز، ثم واصلت صعود قمم كبرى مثل «أما دابلام»، و«ماناسلو»، و«K2»، و«نانغا باربات»، لتصبح أول عُمانية تتسلق 4 قمم يزيد ارتفاعها على 8000 متر.
وُلدت الحارثية عام 1977، وعملت سابقاً معلمة جغرافيا، ثم في وزارة التربية والتعليم، وحصلت على درجة الماجستير في الجغرافيا من جامعة السلطان قابوس، ولم تدخل عالم الجبال من باب البطولة المباشرة، بل عبر التعليم، إذ بدأت علاقتها بالتسلق عام 2015 عندما رافقت مجموعة من الطلبة العُمانيين إلى جبل كليمنجارو ضمن برنامج «غلوب» البيئي، وهناك بدأت علاقتها الأولى مع الجبال، قبل أن يشكل لقاؤها بالمتسلق العُماني الراحل خالد السيابي، أول عُماني يصل إلى إيفرست، نقطة تحول في مسارها.
منذ ذلك الوقت، تحولت التجربة إلى مشروع، فلم تكن تتدرب في صالات مغلقة فقط، بل في جبال عُمان، ولا سيما الجبل الأخضر، إلى جانب الجري لمسافات طويلة والسباحة وحمل الأوزان والتأقلم مع المرتفعات.
وشكلت الحارثية حضوراً لافتاً على منصات التواصل، حيث كانت تشارك تفاصيل رحلاتها وتدريباتها ولقطات من القمم التي صعدتها، ويضم حسابها على «إنستغرام» أكثر من 35.6 ألف متابع، وتحول بعد خبر وفاتها إلى مساحة للتعازي واستعادة أثرها، مع تعليقات تصفها بأنها ألهمت كثيرين وتركت الحياة وهي تفعل أكثر ما أحبته.
ما فعلته نظيرة لعُمان يتجاوز الأرقام، فقد حملت علم السلطنة إلى أعلى قمة في العالم، وفتحت باباً جديداً أمام الفتيات والشباب لرؤية المغامرة بوصفها مجالاً ممكناً، كما حضرت في العمل الرياضي والمؤسسي، فقد تولت في أبريل 2026 رئاسة الاتحاد العُماني للرياضة المدرسية، بعد أن شغلت سابقاً منصب نائب الرئيس، وفازت في يونيو بعضوية مجلس إدارة الاتحاد الآسيوي للرياضة المدرسية للفترة 2026-2030.
وأشادت وزارة الخارجية العُمانية بجهودها في تعزيز العلاقات الإنسانية والثقافية بين سلطنة عُمان ونيبال، خصوصاً خلال رئاستها لجمعية الصداقة العُمانية النيبالية، وإسهاماتها في العمل المجتمعي وترسيخ التعاون بين الشعبين.
كما أكدت الوزارة تنسيقها مع السلطات الباكستانية لاستكمال إجراءات نقل جثمانها إلى أرض الوطن.
في أحد حواراتها مع جريدة «عُمان»، قالت الحارثية عن تجربة إيفرست: «إنني دفعت الكثير لأتعلم أن أكتفي بالقليل»، وربما تلخص هذه الجملة فلسفتها كلها، فالجبال لا تمنح الصاعد إليها رفاهية كثيرة، تمنحه اختباراً قاسياً للقدرة على الاحتمال، وعلى إدارة الخوف والوقت والطاقة والهدف.
وقالت نظيرة الحارثية إن عُمان ليست حاضرة فقط على البحر والصحراء والجبل المحلي، بل قادرة أيضاً على أن تترك أثرها على أعلى قمم العالم، وها هي اليوم تترك أثرها على قلوبنا المفطورة جميعاً وتحمسنا لنستكمل مسيرتها.

