«.. ودارت الأيام وأنا أغدو وأروح إلى الجامعة وجارتي الغول لا تُفلتني ولا تفارقني، وصليل المعاول وهي تضرب فيَّ معنى الجامعة يتردد في نفسي، وأسمع هدة انهيارها..».
كانت هذه بعض كلمات الأستاذ محمود شاكر في جمهرة مقالاته يصف حاله إثر خلافه مع الدكتور طه حسين، بعدما كشف عميد الأدب العربي عن تصوُّره تجاه الشعر الجاهلي الذي رأى أنه منحول (منسوب إلى غير قائله)، ليرفض شاكر تلك النظرية التي أثبت أنها هي أيضًا منحولة، وصاحبها الأصلي المستشرق الإنجليزي مارجليوث.
ولعل كثيرين ممن لهم اهتمام بالأدب العربي قد ألـمُّــوا بطرف من تلك القصة التي لم تكن هذه السطور مجالًا لسردها والخوض في تفاصيلها، إلا أن كثيرين أيضًا مرُّوا عليها مرور الكرام، واكتفوا بالقول إن ثمة خصومة دبَّت بين الرجلين.
ومع أن محمود شاكر قد رفض غير مرة وصف ما جرى بالخصومة، فإن بعض السطحيين ممن لا قِبَل لهم بسبر أغوار الحقائق الأدبية يظلون يرددون مثل هذه الإطلاقات الساذجة.
وبعيدًا عن كل هذا نقف هنا على قصة طريفة حكاها الأستاذ محمود شاكر نفسه، مؤكدًا العلاقة الطيبة التي ظلت تربطه بالدكتور طه حسين، وبقي مقيمًا عليها إقامته على رأيه ومنهجه الأدبي في تذوق الشعر الجاهلي.
ويذكر شاكر أنه لما التحق بكلية الآداب، كان عليه أن يتقن اللغة الفرنسية التي لم يكن له بها علم سابق، ذلك أنه كان من طلبة القسم العلمي في الثانوية الذين درسوا الإنجليزية لغةً أجنبيةً فحسب.
ويروي في مقال بعنوان «المتنبي ليتني ما عرفته» كيف اجتهد في التحصيل حتى اقترب موعد امتحان اللغة الفرنسية، وقبيل الموعد المقرر طلب منه طه حسين أن يمرَّ عليه في بيته، وحينها سأله عما فعله في دراسة تلك اللغة الغريبة عليه.
كاشَفَ محمود عميد الأدب بأنه صار مجيدًا القراءة بالفرنسية وفهم دلالاتها إلى حد لا بأس به، لكنه عاجز كل العجز عن التعبير بها عن نفسه، وهو ما يجعله غير قادر على خوض الامتحان الشفوي.
وهنا جاء الموقف الغريب الذي ظل يحفظه شاكر جميلًا لطه، حين سعى إلى الأستاذ الفرنسي وقال له: «إنه يقرأ بالفرنسية، لكن إذا سألته في شيء أرجو أن تقبل إجابته بالإنجليزية»، وأخذت الأستاذ الدهشة في البداية، لكنه لم يلبث أن وافق على الفكرة.
يقول محمود شاكر معقبًا على ذلك: «فهل ترى في هذا ظلًّا من خصومة؟».
