ارتبطت جذوة الإبداع الأدبي في الثقافة العربية بمفهوم الوحي، وكثيرًا ما نرى من يحاول بقصد أو غير قصد صنع وشائج وعلاقات بين الوحي والإلهام، لكونهما جميعًا سرًّا يتنزل على الإنسان بصورة غامضة.

ولعل هذا التلازم الخفي بين الأمرين هو ما سوَّغ استعمال أحدهما مكان الآخر في أحيان كثيرة، فنسمع من يسمي موهبة الشاعر إلهامًا أو وحيًا، لا فرق، كأن المفردتين أصبحتا وجهين لعملة واحدة.

ولا غرابة إذًا أن نطالع عناوين بعض الأدباء، فنجدها ترسِّخ هذا التصور، كالذي سطره مصطفى صادق الرافعي مثلًا على غلاف كتابه البديع «وحي القلم»، ما دام عموم الناس قد ارتضوا هذا الاستعمال الشائع وتلقَّوه بالقبول.

لكنَّ الغريب اللافت أن يجتمع المفهومان: الوحي والإلهام، أو النبوة والشاعرية، في شخص واحد، ويقتربان من بعضهما أشد الاقتراب في واقع الحياة لا في التعبير المجازي فحسب.

تلك هي قصة شاعرنا العربي القديم أمية بن أبي الصلت التي يحفُّها غير قليل من التفاصيل الغامضة والخفية، وتختلط فيها الحقائق بالأساطير على نحو مثير للجدل والشغف.

وحسْبُنا من كل ما يتردد في بطون كتب الأدب التراثية والحديثة أن نقف على شيء يسير من الروايات التي أوردها أحد الرجال الأفذاذ في تاريخ النقد الأدبي، هو محمد بن سلَّام الجمحي، صاحب كتاب «طبقات فحول الشعراء».

لقد كان ابن سلَّام هو نفسه شديد الدهشة تجاه شخصية أمية، ويدل على ذلك العبارة التي استهل بها حديثه عنه قائلًا: «كان أمية بن أبي الصلت كثير العجائب».

ولاحظ ناقدنا الكبير أن شعر أمية حافل بالحديث عن خلق السماوات والأرض والملائكة، وهي أمور لا نعتاد مصادفتها في أشعار الجاهليين، بل لم يسبقه أحد من الشعراء بذكر هذه الأشياء في أشعارهم.

ويورد الجمحي قصة غريبة تحكيها أخت أمية، أن أخاها كان نائمًا في مرضه الأخير قبيل وفاته، وأنها رأت طائرين أبيضين يسقطان على سقف بيته، وأن أحدهما وقع على أمية وهو نائم، ودار حوار غامض بين الطائرين، تخلله فعل خارق للعادة، إذ شق الطائر بطن أمية، وأخذ قلبه، ثم ردَّه عليه وطار.

وسواءٌ صحَّت الرواية، أم كانت مجرد أسطورة، فهي تشي بأجواء الغموض والغرابة التي كانت تحيط هذا الشاعر الكبير، الذي صنَّفه ابن سلَّام في كتابه ضمن الفحول.

وغاية الأمر أن أمية بن أبي الصلت كان رجلًا صالحًا في الجاهلية، وأنه اعتزل عبادة الأصنام، واحتشدت في شعره المعاني المذكِّرة بالآخرة، لكنه مع الأسف أدرك الإسلام ولم يسلم، لأنه كان يمنِّي نفسه بالنبوة، ويتوقع أن يكون هو خاتم المرسلين، فلما بُعث النبي، صلى الله عليه وسلم، كفر، وضيَّعت الغيرة عليه كل شيء.