يقول الشاعر:
|
وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانٍ قَفْرِ |
|
وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ
|
بهذا البيت، يختتم الفنان المصري محمد هنيدي المشهد الأخير من فيلمه الكوميدي «رمضان مبروك أبو العلمين حمودة»، تاركًا ذهن المشاهد في حيرة لا تنقضي: أهكذا حال الشعر العربي حقًّا؟!
وبغض النظر عن مدى رضا البعض أو سخطهم على هذا النوع من الفن الذي يجعل من معلِّم اللغة العربية مادة للضحك، تظل الإشكالية الكبرى في الصورة الذهنية التي يرسمها ذلك المشهد خصوصًا عن صعوبة الشعر، والتعقيد المتكلَّف في صياغة ألفاظه وتراكيبه.
وإذا كانت تلك الحروف المتنافرة والأصوات التي تصكُّ الأسماع هي أول ما يسترعي انتباه أي أحد، فإنها في الحقيقة ليست الأمر الأغرب على الإطلاق في هذا البيت من الشعر.
إن وراء تلك الكلمات التي لا يستقيم بها لسان من أوتي قوة في التحكم بمنطقه، قصة عجيبة تتردد في كتب الأدب القديم، مفادها أن حرب بن أمية خرج في قافلة مع جماعة من قبيلة قريش، ومعه الشاعر أمية بن أبي الصلت، وأثناء سيرهم مرُّوا بحيَّة فقتلوها.
وعند دخول الليل، جاءتهم امرأة من الجن معها عصا، فضربت بها الأرض، فهربت الإبل، إلا أن القافلة ردَّت الإبل مرة أخرى بعد ذهاب المرأة، لكنها جاءتهم مرةً أخرى وكرَّرت ما فعلته.
فلمَّا عجزوا عن رد الإبل، لجأوا إلى حرب، فحاول أن يخرج بهم من ذلك المكان، وأثناء سيرهم وجدوا نارًا داخل خيمة، فنصحهم أمية بأن يقولوا: «باسمك اللهم»، ففعل حرب ذلك، فضربته المرأة بالحية التي قتلتها القافلة فمات، ثم اختفت عن الأنظار، ودُفن حرب على يد أصحابه في ذلك المكان الموحش، لتصيح الجنيَّة بذلك البيت.
وبسبب هذه الرواية التي تنسب البيت إلى الجن، برَّر كثيرون صعوبة النطق به، حتى قالوا إنه لا يستطيع أحد أن ينشده ثلاث مرات متتالية دون تلعثم، طبعًا لأن كلام الجن ثقيل على ألسنة الإنس!
وطالما استشهد علماء البلاغة في مؤلفاتهم بهذا الشعر للتمثيل على الكلام الركيك الذي يفتقد سلاسة التأليف بين الحروف، ويفتقر إلى أحد أهم شروط الفصاحة.
لعله ظهر الآن كيف ظلمت السينما الشعر العربي، حين جعلت ما شذ منه مثالًا على ما يحمل مقوماته الفنية، ووضعت ما عابه النقاد محل ما يمكن التغني به على سبيل الاستجادة.
لكنَّ الأهم من كل ذلك أن أولئك النقاد الذين عرفوا الغث من السمين، ميَّزوا أيضًا بين الخبر الصادق والكاذب، ولذا أحسن الجاحظ فعلًا حين أورد قصة تلك العفريتة التي نطقت بذلك البيت في كتابه الممتع «البيان والتبيين»، ليحكم على الرواية بأنها باطلة ولا أساس لها من الصحة، بالضبط كتلك الصورة المشوهة التي رُسمت عن الشعر العربي.
