الانحرافات الفكرية والسلوكية تمثل عادةً مساحة الغرابة في حياة كل إنسان، لكن إذا اتسعت تلك المساحة لتستوعب سائر تفاصيل حياته، أصبح العادي حينها هو الغريب.
هذا ما ينطبق بالضبط على حياة شاعرنا الكبير الحسن بن هانئ، الشهير بأبي نواس، الذي عُرف بمعاقرة الخمر، وأحاطت حياته كل أنواع المجون، حتى صارت كنيته علامة مسجلة للضلال والفجور.
ولقد ثارت خلافات بحثية حول المرحلة الأخيرة من سيرة ذلك الشاعر، إذ شاع أنه تاب آنذاك وندم على كل ما اقترفه من الذنوب، وشرع في التعبير عن توبته النصوح شعرًا، لكنَّ آراء أخرى تقول بعدم صحة نسبة تلك الأشعار إليه وإن صحَّت توبته.
كل ذلك ليس غريبًا، فالمعاصي والتوبة منها موجودة في البشر منذ الأزل، وستبقى فيهم إلى أن يشاء الله، لكنَّ الجدير حقًّا بالالتفات مرحلة النشأة التي انطلقت منها مسيرة أبي نواس.
ولو أن الأمر اقتصر على أنه استهل حياته شريفًا عفيفًا نائيًا بجانبه عن كل صنوف الموبقات لهان الخطب، غير أن القضية أكبر من تلك التصورات.
تحكي كتب الأدب أن أبا نواس قرأ القرآن الكريم في بداية نشأته على يد شيخ له يُدعى يعقوب الحضرمي، فلمَّا حذق القرآن رمى إليه يعقوب بخاتمه، وقال له: اذهب، فأنت أقرأ أهل البصرة.
وأصبح أبو نواس بعدها عالمًا بالفقه والحديث والتفسير، حتى قال عنه عبد الله بن المعتز في كتابه «طبقات الشعراء» إنه كان «فقيهًا عارفًا بالأحكام والفتيا، بصيرًا بالاختلاف، صاحب حفظ ونظر ومعرفة بطرق الحديث، يعرف محكم القرآن ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه».
بل رُوي عن الإمام الشافعي أنه قال عنه: «أبو نواس محدِّث وعالم بالحديث، ولولا مجونه وزندقته لرويت عنه».
ووراء هذا التحوُّل الغريب في حياة أبي نواس شخصية ماكرة، اسمها والبة بن الحباب، وقد كان رجل سوء فاسد الخلق.
وذهب والبة ذات يوم إلى سوق العطارين في البصرة يشتري بخورًا وعودًا، وكان أبو نواس حينها يعمل هناك، فالتقيا وتعارفا، لتنعطف مسيرة الشاعر إلى رحلة ملؤها الضلال، قبل أن يكتب له الله تعالى الهداية في النهاية.
