ما أكثر من تحدثوا عن ادعاء أبي الطيب النبوة، وما أكثر من اجتهدوا في تبرئته من التهمة، وبين هؤلاء وهؤلاء يقف المتنبي شامخًا بكبريائه المعهودة، لا يبالي بما يقال عنه.
بل يصرُّ على اقتراف كل ما من شأنه إلصاق تلك الدعوى به، سواء بلفتات شعره المثيرة للشك، أو أفعاله التي تضاعف الشكوك.
ولطالما رفع المتنبي نفسه إلى مقام النبوة بتشبيهات تستفز عقيدة المؤمن، وتفرض الدهشة ببلاغتها فيزول أثر الاستفزاز:
|
مَا مُقَامِي بِأَرْضِ نِخْلَةَ إِلَّا |
|
كَمُقَامِ الْمَسِيحِ بَيْنَ الْيَهُودِ
|
|
أَنَا فِي أُمَّةٍ تَدَارَكَهَا اللهُ
|
|
غَرِيبٌ كَصَالِحٍ فِي ثَمُودِ
|
وإذا كان أصدق الشعر أكذبه، فإن الغرابة الحقيقية في الأفعال لا الأقوال، وقد نُحسن تكذيب المتنبي فيما يقول، ونقف مكتوفي الأيدي أمام ما اتفق له من أمور لا نبالغ إذا قلنا إنها لم تجتمع لشاعر غيره.
لقد أخجل أبو الطيب بخوارقه من يزعمون النبوة في زمننا، أولئك الذين نقرأ أخبارهم الطريفة في الصفحات الأخيرة من الجرائد، أو نشاهد مقاطعهم المضحكة في عالم التواصل الاجتماعي، هذا يدعي أنه المسيح بن مريم عليه السلام، ثم يسقط أمام أول سؤال ممن يناظره: «أمك اسمها مريم؟»، فلا يحير جوابًا، والآخر ينشئ صفحة على «فيسبوك» ويكتب فيها: «ممنوع دخول المصريين»، وينسى أنه مبعوث للبشر أجمعين، على حد زعمه، إلى غير ذلك من أصحاب المعجزات الفاشلة.
أما المتنبي، فهو إن تنصَّل من دعوى النبوة عندما أجاب سائله: «لمَ لُقِّبتَ بالمتنبي؟» قائلًا: «إنما هو من النَّبْوة»، يعني الرفعة، فإن غرائبه أحقُّ بأن تسمى معجزات.
فلم يتوفر لشاعر سواه أن أخمل كل شعراء زمنه، حتى قال ابن رشيق القيرواني: «جاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس»، ولا نجد تفسيرًا منطقيًّا للأعداد المهولة من شعراء عصره الذين نقرأ سِيَرهم في كتب التراجم ولا نكاد نعرف واحدًا منهم كالمتنبي المعروف عند أهل الأدب والغرباء عنه.
وعجز النقاد القدماء أن يكتموا دهشتهم من تلك القضية، فتساءل ضياء الدين بن الأثير عن سر شهرة أبي الطيب التي طغت على أبي نواس الذي يفوقه فنيًّا بمراحل، وبرَّر ذلك بفكرة لا تقل غرابة عن سابقتها: أن «المتنبي ينطق عن خواطر الناس»، أوليس هذه معجزة بحد ذاتها؟
والأعجب أن يقول المتنبي، وهو ابن القرن الرابع الهجري:
|
أَنَا الَّذِي نَظَرَ الْأَعْمَى إِلَى أَدَبِي |
|
وَأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ |
ليأتي في القرن الخامس الشاعر الضرير أبو العلاء المعري، فيشرح ديوان أبي الطيب في كتاب عنوانه مثير «معجز أحمد»، قائلًا لتلاميذه: «أنا ذلك الأعمى، كأنما نظر المتنبي إليَّ بلحظ الغيب». تُرى هل تنبَّأ بميلاده حقًّا؟!
