مي زيادة في مستشفى المجانين

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا أحد يمكنه أن يجزم أن شاعرنا الكبير قيس بن الملوح أصيب بأعراض الخلل العقلي وفق ما هو مقرر في الطب النفسي.

ومن المستبعد أن من نقلوا لنا أخبار الأدب، ومنها خبر جنون قيس، كانوا على دراية بما يصحُّ أن يسمى جنونًا بلغة العلم، كما أن الطب النفسي آنذاك لم يكن قد عُرِفَ على صورته الآن.

كل ما حدث أن أناسًا شاهدوا قيسًا هام على وجهه في الصحراء، وأخذ ينشد قصيدته «المؤنسة» التي نالت من الشهرة ما لم تنله قصائده الأُخَر، ومطلعها:

تَذَكَّرْتُ لَيْلَى وَالسِّنِينَ الْخَوَالِيَا
 

 

وَأَيَّامَ لَا نَخْشَى مِنَ اللَّهْوِ نَاهِيَا
 

 

ومع ذلك، لم تحُلْ تلك العوامل بين قيس ووصمة الخطل التي أرادها له الناس، فأطلقوا عليه اللقب الذي اشتهر به بين الشعراء «مجنون ليلى»، فحظي بوصفين طالما ارتبط بعضهما ببعض: الإبداع والجنون.

ولم يكن الشعر فريدًا في ذلك، بل شابه سائر أنواع الإبداع التي اعتاد الناس أن يروا فيها لونًا من مخالفة العقل، حتى أصبحنا نردد إلى يوم الناس هذا: «الفنون جنون».

وإذا كان مجنون ليلى سيئ الحظ بسبب ظروف عصره، فإن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة لم تكن أفضل منه حالًا، بل نجح أهل عصرها في أن يُلصقوا بها التهمة ذاتها، ولكن وفق حيثيات الزمن.

وتحكي مي في مذكراتها كيف كانت تعاني بعض الاكتئاب، وحين اتصلت بابن عمها جوزيف، عرض عليها القدوم من القاهرة إلى بيروت لتستريح قليلًا، وهناك احتجزها في بيته، وجاء بمدير مستشفى العصفورية ليؤكد له أنها أصبحت خطرًا على العائلة، في مسلسل كاذب هدفه الاستيلاء على ممتلكاتها.

وبهذه القصة المأساوية انتهت حياة مي، بعدما كانت الأديبة الفاتنة ذات القلم البديع التي التفَّ حولها الأدباء في صالونها الثقافي، وهام بحبها غير واحد منهم، أبرزهم عباس محمود العقاد ومصطفى صادق الرافعي.

إن علاقة قيس بمي لا تُختزل في أنهما مجنونان من عالم الأدب، بل تؤكد قدرة البشر التي لا تتوانى على ربط الأدب بالجنون، واحتيالاتهم التي لا تنتهي لحياكة قميص مستشفى المجانين على قدِّ كل أديب.

ولعلنا نرى هذا بجلاء إذا تخيَّلنا ما كان سيحدث لو بُدِّل الأشخاص والأدوار، إذًا لهامت مي زيادة على وجهها في الصحراء، وأُلقي بقيس بن الملوح في العصفورية.

طباعة Email