طه حسين والبحث عن سِتِّ أبي فراس الحمداني

ت + ت - الحجم الطبيعي

قد نرى إنسانًا فنظنُّه آخر، وتتشابه علينا الوجوه والأشكال، وكذلك حال ألفاظ اللغة، تقع صورها في أبصار بعضنا فيحسب الكلمة أختها، وتلتبس هيئاتها ببعض.

والتصحيف والتحريف ظاهرة قديمة في لغتنا، تسببت في قصص لا أول لها ولا آخر في تراثنا الثقافي، أغربها ما وقع في قراءة بعض آيات الكتاب الحكيم والأحاديث الشريفة.

وقد حُكي أن الإمام حمزة بن حبيب في بداية طلبه للعلم وهو صغير أخطأ فقرأ أول سورة البقرة: «ألم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا زَيْتَ فِيهِ»، فقال له أبوه: «لَا رَيْبَ فِيهِ»، قم واطلب العلم على أيدي الشيوخ.

وجاء رجل حماد بن زيد يسأله عن تحريم النبي، صلى الله عليه وسلم، الخبز، فقال حماد: إذا نهى عن الخبز فمن أي شيء يعيش الناس؟! إنما نهى عن الخمر.

لكن المثير للضحك والشفقة معًا أن يمكث إنسان دهرًا يبحث عن معنى التصق بعقله لخطأ في القراءة، فإذا الأمر في النهاية محض أوهام.

هذا ما وقع لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين حين كان طالبًا في الكُتَّاب، فقد صوَّر في سِفر «الأيام»، بلغة أدبية عالية، مشاهد من مراحل تعلُّمه على يد شيخ كان يسيء قراءة بعض الألفاظ، فيلقِّنها لتلامذته على نحو ما قرأها، ويتلقاها المساكين منه بالقبول والتسليم.

ويا له من مشهد مدهش! أن يكون طه حسين الضرير بيد من حُرم البصر والبصيرة، يُضِلُّه بجهله، ويدعه حائرًا في جنبات طريق العلم.

وقد سرد الأديب الكبير كيف قرأ عليهم شيخهم بيتًا من قصيدة أبي فراس الحمداني الشهيرة «أَراكَ عَصِيَّ الدَّمْعِ» على هذه الصورة:

بَدَوْتُ وَأَهْلِي حَاضِرُونَ لِأَنَّنِي
 

 


أَرَى أَنَّ دَارَ السِّتِّ مِنْ أَهْلِهَا قَفْرُ
 

 

وظل طه زمنًا يفكر في صمت ويسائل نفسه: كيف ترد لفظة «السِّتِّ» العامية في بيت شاعر عباسي، وربما كان السؤال الأكبر في ذهنه عن حقيقة تلك الست التي عناها أبو فراس، وأين دارها تلك التي وصفها بأنها قفر؟!

ومرَّت السنون تلو السنين، ليكتشف فيما بعد أن خطأ كارثيًّا وراء تلك الأوهام التي نسجها عقله، وأن الشاعر إنما قال: «أَرَى أَنَّ دَارًا لَسْتِ..»، وليس ثمة سِتٌّ ولا يحزنون.

طباعة Email