لعنة ابن الرومي

ت + ت - الحجم الطبيعي

يبدو أن قدَر الشعر العربي أن يرتبط دومًا بكل ما هو غامض، وأن يظل متداخلًا في صنعته مع أمور تُصنَّف بأنها غير واقعية، أو تندرج تحت مفهوم ما وراء الطبيعة.

فكما بدأ الشعر في الجاهلية محاطًا بأوهام تنسب أمر إبداعه إلى الجن، وأنهم يقفون خلف عملية نظمه وتأليفه، وأن لكل شاعر بارع شيطانًا يلقنه قصائده، تعلَّقت بشخصيات شعراء كثيرين أساطير غريبة استساغتها العقول، واستسلمت لمنطقها الذي يفتقد المنطق.

وربما كان شاعرنا العباسي ابن الرومي أحد أهم أولئك الذين طالتهم يد الغرائبية، وأيَّد ملاحقتها لاسمه اشتمال شخصيته على إشكالات نفسية اشتهر بها، أبرزها التشاؤم الذي عُرف به وصار علامة عليه وسط جمهرة شعرائنا العرب.

فقد حُكي عنه أنه كان كلما همَّ أن يخرج من بيته، نظر من ثقب الباب، فإذا رأى ما يدعوه إلى التشاؤم، خلع ثيابه وعزف عن الخروج، ولو كانت حاجته إليه شديدة، إلى غير ذلك من الأخبار التي تؤكد اضطراب نفسيته.

هذا في حياته، لكنَّ المدهش حقًّا ما وقع بعد رحيله عن الدنيا من مواقف مريبة كان فيها هو المتهم البريء، إذ اعتقد كثيرون أن له لعنة كلعنة الفراعنة تحل على كل من يقترب من شعره.

ولقد بدأت تلك الأسطورة مع أول شخص نسخ ديوانه فقُطعت رأسُه بالسيف، ويحكي لنا الأديب إبراهيم عبد القادر المازني في كتابه «حصاد الهشيم» كيف كُسرت ساقه إثر كتابته دراسة عن حياة ابن الرومي وشعره.

ولم تقف اللعنة المزعومة عند هذا الحد، بل دخل عباس محمود العقاد السجن فورًا بعدما ألَّف كتاباً عن شاعرنا المشؤوم، وحين همَّ كامل كيلاني في وضع مختارات من شعره مات ابنه.

ولعله لم ينجُ من تلك القضية إلا الأستاذ الدكتور حسين نصار، محقق ديوان ابن الرومي، فقد سرد، في حوار تلفزيوني، تكالب أصدقائه ومقرَّبيه عليه عندما فكَّر في تحقيق الديوان، يحذرونه من العواقب الوخيمة التي قد تحصل له كغيره، وينصحونه بالاعتبار بمصائر من سبقوه.

لكنه، رحمه الله، أصرَّ على وضع حد لتلك الخرافة، فأجاد مرتين، مرةً بالتوكل على الله والإيمان بالقدَر، وأخرى بنشر ديوان ابن الرومي في طبعة منمَّقة.

طباعة Email