كأن رمضان يسافر عبر الزمن، فيحملنا على متن الشوق إلى أحلام وذكريات الطفولة، إذ كان المسحراتي أو «بوطبيلة» باللهجة المحلية، يجوب الفِرجان، فيقرع بخشبة رفيعة على طبلة كانت تُعرف بـ«البازة»، ليوقظ الناس لتناول السحور قبل أذان الفجر.
«اصحَ يا نايم وحّد الدايم».. «يا نايم الليل قُوْمك أحسن من نومك».. «يا نايم قوم اتسحر وصلِّ لربك واستغفر»، هذه العبارات وغيرها، كان يتغنى بها «بوطبيلة» وهو يجوب الطرقات والدروب، في زمن مضى، ما زلنا نسميه «الزمن الجميل»، لأنه كان بحق جميلاً.
يقرع «بوطبيلة» على «البازة»، فيتبعه الأطفال فرحين، فيرددون الأهازيج الشعبية وراءه، في حين ترقبهم عيون الأمهات من الشبابيك بفرحة طاغية.. هكذا كان المشهد دافئاً وحميمياً ومفعماً بالبهجة.
وترجح روايات تاريخية أن بلال بن رباح، رضي الله عنه، هو أول مسحراتي في الإسلام، إذ كان يوقظ الصحابة في المدينة المنورة وقت السحور.
ومع تطور الحياة، ظهرت ممارسات أخرى محل المسحراتي، الذي يكاد يتوارى في طيات التاريخ، لكن الحنين إلى زمنه لم ينقطع أبداً، الأمر الذي دفع مبادرة فرجان دبي خلال رمضان الماضي، إلى إطلاق فعالية «بوطبيلة في الفرجان»، لاستعادة هذا التقليد التراثي الأصيل.
وأكدت المبادرة أن استعادة تقليد المسحراتي تستهدف المحافظة على الموروث الشعبي، وتعريف النشء بملامح الحياة في الإمارات في الأيام الخوالي، وأن فعالية المسحراتي اشتملت على ثلاث مناطق في دبي، وهي المزهر وند الحمر والبرشاء.
وإلى جوار هذه الفعالية، يحضر «بوطبيلة» في مناسبات احتفالية متكررة، للمؤسسات التراثية في الدولة، ومن ذلك احتفالات نادي تراث الإمارات بأبوظبي والبلديات، لكن وجوده الفعلي في الشوارع قد انتهى.
ومن المتعارف عليه أنه كان لكل حي «مسحراتي»، ولما ينقضي الشهر الكريم، كان يطرق الأبواب فيجود عليه الأهالي بالهدايا والأموال، ويقدم له الأطفال حلوى العيد، في طقس احتفالي يعلن نهاية شهر الصوم، بوداع «بوطبيلة» على موعد للقاء كان يتجدد سنوياً.. لكن هذا اللقاء لم يبق منه إلا الحنين.
