في زمنٍ مضى، كانت الأيام تتسم بالبساطة والعمق، فكانت الأسر في الإمارات تستعد لشهر رمضان بروحٍ من التعاون والمشاركة، وكانت النساء يجتمعن لتحضير مكونات الهريس والبهارات، يزرعنها ويجففنها وينظفنها بأيديهن، ليس فقط لأسرهن بل لكل أهالي الفريج.
وكانت هذه العادات تبرز روح الجماعة والتكافل الاجتماعي التي تميز المجتمع الإماراتي. تحدثت فاطمة يوسف المنصوري، عضوة في جمعية المطاف للفنون والتراث عن تلك الأيام بحنين، مستذكرة كيف كانت نساء الفريج ينتقين أنواع الحبوب ويحضرنها لتصبح جاهزة للاستخدام طوال الشهر الفضيل.
فكن ينتقين حبوب الهريس وينقعنها ومن ثم يعددنها للطبخ بساعاتٍ طويلة من الفجر وحتى العصر حتى تجهز هذه الوجبة التي تطعم كل أهالي الحي، وتستمر الوتيرة مع باقي أنواع الحبوب والبذور التي تحصد من مزارع الإماراتيين وتجفف وتنظف بأيادي نساء الفريج ومن ثم تعد للطبخ.
وكانت النساء يكسرن صيامهن بتمرة في منازلهن، اتباعاً للسنة، ثم يتوجهن بعد صلاة المغرب بالأطباق التي أعددنها للإفطار الجماعي، وكانت هذه اللحظات تعبر عن الترابط الأسري والتقدير المتبادل بين الرجال والنساء.
وتتذكر فاطمة رمضان الأول في السبعينيات بكل ما يحمله من ذكريات جميلة ومريحة فتوجد «مريحانات الفريج»، وهي الأراجيح اليدوية التي صنعها أهالي الفريج، كنقطة تجمع ترفيهية خاصة بالنساء والتمتع بوقتهن بعد الجهد الذي بذلنه في إعداد الإفطار.
وأكدت فاطمة المنصوري أن الزمن الجميل الذي عاشته في صباها كان مملوءاً بالألفة والأمل، فكان الحب والأمان يسودان بين أهالي الفريج، وكان الجميع يستمتع بتفصيلات الشهر الكريم، وكل يوم يحمل في طياته الكثير من الأحداث والمشاعر.
وفي الصباح، كانت النساء يجتمعن لتحضير الطعام، وكانت الأحاديث تدور عن الحياة والأحلام والأماني، ومع اقتراب الظهر، كانت الأطباق تُعد بعناية وحب، وكانت الروائح الزكية تملأ الأجواء، معلنة قرب وقت الإفطار.
ومع حلول المساء، كانت الأسر تجتمع حول موائد الإفطار، والابتسامات تزين الوجوه، والدعوات ترتفع إلى السماء. وبعد الإفطار يتوجه الرجال إلى المساجد لأداء صلاة التراويح، بينما تتجمع النساء حول «مريحانات الفريج» لتبادل الأحاديث والضحكات.
وكانت الليالي تنتهي بالتسامر والتأمل، ويشعر الجميع بالامتنان لهذه الأوقات الثمينة، واليوم، ونحن نستعيد هذه الذكريات، ندرك أهمية الحفاظ على هذه التقاليد ونقلها إلى الأجيال القادمة، ليستمر رمضان في كونه شهر الخير والبركة والتواصل الإنساني.

