يستحضر شهر رمضان المبارك هذا العام، كما في كل عام، بعضاً من عادات وتقاليد المجتمع الإماراتي، وطقوسه المتوارثة عن الأجداد، مستدعياً من الذاكرة معارف وقصصاً، تناقلتها الأجيال على مر السنين، هي جزء من إرث البلاد الثقافي، الذي حرصت الدولة على إدراج عناصره على القائمة التمثيلية للتراث غير المادي لليونيسكو، مثل «تراث شجرة النخيل»، حيث إنها من بين المفردات والعناصر، التي اخترنا الإضاءة عليها، إذ سجل ملف النخلة في القائمة في ديسمبر من عام 2019، مجسدة ما يرتبط بها من معارف ومهارات وتقاليد وعادات، خاصة أنها بطبيعتها جزء من تراث عربي مشترك.

وتمثل النخلة رمزاً وطنياً ثقافياً لأهل الإمارات، والخليج العربي، فلولاها لما تمكنوا من التكيف مع بيئتهم الصحراوية على مدى آلاف السنين، حيث أمدتهم بالغذاء وسبل الحياة وربطتهم بالأرض، وفي ظلالها جلسوا، ومن جذوعها بنوا أعمدة لبيوتهم، ومنها صنعوا ألعابهم وأدواتهم، فكانت جزءاً حياً من تراثهم وتقاليدهم، وقد شغلت حيزاً كبيراً من ذاكرتهم الجمعية المشتركة، فتغزل بها شعراؤهم، وصوروها بأبهى الصور الفنية، وتناولتها الأمثال الشعبية الإماراتية والعربية، وتم تصويرها على عدد كبير من الأختام المكتشفة في منطقة الخليج العربي، التي تعود إلى حضارتي دلمون وماجان.

وعلى امتداد العقود، شكلت النخلة رمزاً لهوية مجتمعية، تمحورت حولها كثير من قيم الثقافة الإماراتية والعربية، فرسخت في الذاكرة الشعرية عنواناً للكرم والعطاء المتجدد وللشموخ والأصالة، كما انتفع المجتمع الإماراتي من خيراتها.

أهمية ثقافية

واستخدم أهل المكان جذوع النخيل وسعفها للبناء، كما استعملوا خوصها وليفها، لصنع العديد من مستلزمات حياتهم، فأوجدوا صناعات يدوية حرفية، ومهناً متنوعة، تمحورت حول شجرة النخيل، مؤكدة أهميتها الحياتية والثقافية.

وقد صنع الإماراتيون من خوص النخيل الحصر والسراريد والقفف و«الجفران»، لحفظ الأطعمة والملابس، أما ليف النخلة فاستعمل في صناعة شباك الصيد، وشيدت المنازل القديمة من جريدها وجذوعها، ومن بين الصناعات والاستخدامات الأخرى: الخوص، المهافي، المشاب، الميزان، المنز، السفافة، المكب، بناء العريش والمباخر والدخون والطيب والشاشة، (وهي سفينة صغيرة على شكل قارب).

ومن النخيل أيضاً صنعت ألعاب الأطفال، ومنها: «خيل يريد» و«القرقعانة» و«خوصة بوصة»، كما وظف أبناء المجتمع التمور في تركيب الكثير من العلاجات والأدوية الشعبية، وكذلك في تجبير الكسور، وتكحيل العيون المصابة بالرمد، وغير ذلك الكثير.

واعترافاً بمكانة النخلة ورمزيتها، اهتمت الفنون الحديثة والمعاصرة، نحتاً وعمارة، بها كموضوعات لأعمال فنية وإنسانية، واستلهم من شكلها أبرز أيقونات دبي المعمارية، مثل نخلة جبل علي، ونخلة جميرا.

فوائد غذائية

وارتبطت تمور النخيل، بأبرز العادات العربية القديمة أيام شهر رمضان، إذ يجري تناولها لبدء الإفطار بفضل فوائدها الصحية، وغناها بعناصر وفيتامينات ومعادن عديدة، مثل: البوتاسيوم والنحاس والمغنيسيوم، وهي تمد الجسم بالطاقة لاحتوائها على سكريات نباتية، كما تحفز الجهاز الهضمي لاحتوائها على ألياف غذائية، وتوفر العديد من مضادات الأكسدة، ما يحمي من الأمراض المزمنة، ويحسن نشاط الدماغ، وغيره، كما يحتوي التمر على السكر، وهو مصدر طبيعي للفركتوز، حيث تفيد الدراسات أن كل تمرة تحتوي تقريباً على 66 سعرة حرارية، وحوالي 16 غراماً من السكريات.