المطبخ الإيطالي.. تراث فلاحي المتوسط

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تنبع وصفات المطبخ الإيطالي من تراث العمال والفلاحين، الذي اغتنى بتنوع الجغرافيا وأقاليم المتوسط. ويقترن بهذا التنوع اعتزاز بمائدة مبتكرة، احتضنت توليفة من تضاريس متباينة، ضمت: الأودية الخصبة، والجبال المكسوة بالغابات، والتلال الباردة، والصخور القاسية، والسهول الجافة، وسواحل «المتوسط». إضافة إلى سلسلة جبال تنحدر إلى الجنوب.

كرات «البوراتا»

وضمن هذا التنوع المحير، يمكن للمرء البدء مع طبق المقبلات، وهو عبارة عن سلطة الخضار المشوية مع «البوراتا»، التي أعدها أنطونيو سانتي على مائدة الإفطار لضيوف برنامج «وين معزوم اليوم».

في أساس هذا الطبق الأصيل جبن قادم من منطقة «أبوليا» الواقعة في الجنوب الإيطالي. التي تشتهر بتربية الأغنام والزراعة؛ لذا لن يستغرب المرء إن عرف أن كلمة «بوراتا» تعني باللغة الإيطالية «زبدي».

ومن الأشياء التي أكدها أنطونيو سانتي أن هذا الجبن لا يزال يباع بالطريقة التقليدية القديمة. أي، أنه يُلف بأوراق الزنبق الخضراء، ثم بكيس بلاستيكي يلف كرة الجبن. وتحدد طزاجة الجبن من خلال مستوى نضارة ورقة الزنبق. أما الجبن نفسه، فيكون لونه أبيض ناصعاً، فيما الجزء الخارجي منه عبارة عن قشرة رفيعة من جبن الموزاريلا ذي القوام المتماسك الشريطي المفتول، بينما يكون الداخل عبارة عن حشو من الكريمة الناعمة السلسة، وهو مُحضر إما من حليب البقر أو حليب الجاموس.

طابع المدن

ويعرف الكثيرون في العالم الطعام الإيطالي من خلال أنواع معينة من الأكلات الشهيرة، مثل البيتزا والباستا. وغالباً ما يعبرون عن آرائهم في الطعام الإيطالي بأنه متشابه مع بعضه البعض. على الرغم من هذا، يلاحظ أولئك الذين يسافرون إلى إيطاليا اختلاف عادات الطعام بين المدن، حتى بين تلك المتجاورة منها؛ إذ لا تملك كل منطقة طابعها الخاص فحسب، بل لكل مجتمع طريقته المختلفة بالطهي. وإذا سألت الناس، في منطقة واحدة، عن كيفية إعداد صلصة الباستا، ستأتيك إجابات مختلفة.

وهنا، يعتبر تنوع الباستا واختلافها مثالاً آخر على التعددية؛ فهناك النودلز بالبيض الطري في الشمال، والاسباغيتي المغلي في الجنوب، ولكل منها مذاقات مختلفة. وربما لا تحتوي أي دولة أخرى في العالم على هذا الطابع في الطهي الجيد وهذا التنوع.

البارميجانا

يشير أنطونيو، بينما هو يسكب لضيوفه من الطبق الرئيسي: يعد طبق البارميجانا الإيطالية بالباذنجان من أطباق المطبخ الإيطالي الأصيلة. وهو عبارة عن شرائح دجاج وشرائح باذنجان مشوية نغطيها بطبقة من صوص مكون من الثوم والكرافس والحبق والفليفلة الملونة والبندورة، ثم طبقة من جبنة البارميزان التي تعطي الطبق اللون المميز والنكهة الرائعة. ويقدم هذا الطبق على الغذاء أو الإفطار في شهر رمضان كوجبة دسمة ومتكاملة، فالإيطاليون يحبون الطعام الطيب، والنكهة المميزة، ولكنهم يفضلون المعجنات على أي صنف آخر، وهي الطبق اليومي المفضل لديهم. لذا، فقد طوروا أصنافها بشكل مذهل خلال القرون الماضية، حتى أصبح لديهم 240 نوعاً على الأقل من الباستا المعترف بها في المطاعم وكتب الطهي، عدا عن الإبداعات المنزلية لربات البيوت، وأطلقوا على كل منها اسماً يتناسب مع شكلها.

باستا لينغويني

ويعد طبق باستا لينغويني مع الكركند من أشهر الأطباق بنكهات البحر المتوسط، التي تضيفي طابعاً شعبياً محبباً على مائدة الإفطار الرمضانية. وهو مكون من معكرونة بيضاوية الشكل على شكل شريط تشبه «الفيتوتشيني»، ولكنها أوسع من «السباغيتي». ويرجع منشأها إلى مدينة جنوة ومنطقة ليغوريا وتنتمي لوصفات الباستا، التي لاتزال عماد المطبخ الإيطالي. ورغم أن أصلها إيطالي فإن مراجع التاريخ تذكر أن العرب استقدموها إلى ولاية صقلية في القرن 19. ويعود ذكرها إلى القرن 12، حيث ورد ذكرها للمرة الأولى في كتاب للطبخ في صقلية يعود تاريخه إلى عام 1154. وسر نجاحها واستمرارها هو سهولة تحضيرها من دقيق القمح والبيض، ثم تقطيعها إلى أشكال مختلفة مثل الإسباغيتي أو اللازانيا أو الأنابيب المقصوصة بأحجام مختلفة.

أيقونة نابولي

وفيما يتعلق بوصفات البيتزا الإيطالية الشهيرة يقول أنطونيو: كان سلف البيتزا رغيفاً من الخبز المسطح الذي يرش عليه اللحم المقدد، وكان نابعاً من الحاجة إلى توفير غذاء رخيص الثمن لجموع الفقراء في المدينة، ومن ثم ظهرت أشكال البيتزا الفعلية الأولى مع وصول الطماطم من القارة الأمريكية، ودخولها المطبخ المحلي. إلى مؤرخ إيطالي قوله: «في نهاية القرن الثامن عشر رأت أول مطاعم البيتزا النور، حيث استطاع الإيطاليون تطوير هذه الوجبة في مدينة نابولي».

ويلاحظ أنطونيو أن ثمة قصصاً كثيرة رائجة حول أصل تسمية «بيتزا»، فالبعض يقول إنه كان يوجد في القدم أحد العلماء وقد تزوج من امرأة تدعى بيتزا وكان يحبها حباً شديداً، وفي يوم من الأيام قرر أن يعد لها وجبة تشمل جميع الأصناف التي تحبها وهي الخضروات والزيتون والجبن والعجين، وتم إطلاق اسم بيتزا عليه فيما بعد.

الوصفة الملكية

ويضيف أنطونيو وهو يقدم أصنافاً أخرى من البيتزا لضيوفه: بحلول منتصف القرن التاسع عشر أصبحت شوارع إيطاليا تطرح وصفات البيتزا، التي نالت إعجاب السكان. وما يجهله الكثيرون أن بيتزا «المارغريتا» الشهيرة التي صنعت في إيطاليا وانتشرت في دول العالم لاحقاً يرجع أصلها إلى ملكة إيطاليا مارغريتا تيريزا جيوفانا، التي قدم لها صانع البيتزا رفائيل إسبوزيتو البيتزا بالطماطم الحمراء وجبنة الموتزاريلا البيضاء والريحان الأخضر تمثيلاً لألوان العلم الإيطالي، ومنذ ذلك الحين تمت تسميتها باسم الملكة.

جنة «الجلاتو»

وعلى جلسة القهوة الإيطالية بعد الإفطار قدم أنطونيو لضيوفه أشهى الحلويات الإيطالية، التي تختلف بين الشمال والجنوب والوسط، نظراً لمكوناتها التي تأخذ طابع محاصيلها، حيث يعرف أهل الجنوب باستخدام اللوز والفستق كمكون رئيسي للحلويات، في حين تفضل المكسرات من نوع الجوز والصنوبر والبندق في منطقة الشمال. وإذا وصلنا إلى إقليم لومبارديا، وعاصمته ميلانو، وجدنا كعكة البانيتوني. وفي إقليم مودينا يتم إعداد حلويات صغيرة تدعى «أماريتو»، مصنوعة من بياض البيض والسكر وخليط من اللوز الحلو والمر.

في حين تشتهر كعكة «كاستنياتشو» في فلورنسا، وهي مصنوعة من الكستناء والدقيق والزبيب والصنوبر. أما كعكة مدينة بيروجيا، ففيها خليط من التفاح والأجاص والزبيب والشوكولاته. ويعتبر عشاق المثلجات إيطاليا هي جنة «الآيس كريم» على الأرض، إذ يشكل هذا الصنف من الحلوى جزءاً أصيلاً من ثقافة البلد الأوروبي، توارثته الأجيال منذ حقبة الرومان التي اقتصر تناوله فيها على الصفوة من أثرياء الإمبراطورية الرومانية.

شربات الملوك

ويوضح أنطونيو، وهو يشجع ضيوفه لتذوق نكهات «الجيلاتو» الايس كريم المتوفرة في عربة خاصة على الطراز الشعبي لمدينة روما: «الجيلاتو» بلا شك ابتكار إيطالي، يذكر بالمهارة الإيطالية في مجال الطهي وصناعة الحلويات. ورغم أن تاريخ الجيلاتي يعود إلى عصور قديمة، إلا أن انتشاره بدأ حديثاً بفضل الإيطاليين. وقال الباحثون إن الدوقة الإيطالية كاترينا دي ميديتشي أول من أدخل عادة تقديم «الجيلاتو»، وهي كلمة تعني «بارداً»، في شكله الأول والمعروف بالـ«سوربيتو»، المحورة من الكلمة العربية «شربات». وعرف عامة الناس في أوروبا «الجيلاتو»، الذي ظل حكراً على موائد النبلاء وعلية القوم حتى عام 1660، عندما فتح الطاهي الإيطالي الصقلي بروكوبيو كولتيللي مقهاه «كافيه بروكوبيو» أمام مسرح «كوميدي فرانسيس» الشهير.

طباعة Email