المطبخ الجزائري.. بوصلة الحصاد وإيقاع الفصول

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تلعب الفصول الأربعة ومواسم الحصاد في الجزائر دوراً كبيراً في تنوع أطباق المائدة الرمضانية الجزائرية، وتختلف من الشرق إلى الغرب بثروة من وصفات ونكهات البحر المتوسط وشمال أفريقيا، والمستمدة من الإنتاج البري والبحري المشهور بالإرث العربي لفنون الطهي، إلى جانب النكهات ذات الطابع الأمازيغي، وبعض وريقات من وصفات الطهي العثماني وكذلك الفرنسي.

 

 

ومع انطلاق صوت مدفع رمضان استقبل مصطفى قاسم ضيوفه من فريق «وين معزوم اليوم» على مائدة الإفطار بالحليب والتمر قائلاً: اللبن والتمر لا يقتصران مكانياً بالجزائر، فهي عادة المسلمين في جميع أنحاء الأرض اقتداء بالنبي محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ ، فهو أمر يعود إلى 14 قرناً، وتتنوع مائدة رمضان وفقاً للمناطق الجزائرية وموقعها الجغرافي من الأطباق اعتماداً على المنطقة والموسم، والتي تعطي لوحة مطبخية متنوعة جداً. هذا المطبخ الذي يستخدم العديد من المنتجات، لا يزال قائماً على الخضراوات والحبوب التي كانت دائماً تنتج بوفرة في البلاد، وتتقاسم نفس المذاق اللذيذ، وتتسيد مائدة الإفطار «شوربة أو حساء الفريك» الشهير في الشرق الجزائري، وفي الغرب «الحريرة»، وهذان الطبقان يعتبران أوّل ما يتناوله الصائم بعد التمر والحليب.

الحساء الوطني

وحول أهمية طبق الشوربة كعنصر افتتاحي للوجبة الرمضانية في الجزائر يقول مصطفي: يتميز أهل شمال أفريقيا بشكل عام بأنهم يبدؤون وجبة الإفطار بالحساء أو الشوربة، على اختلاف طريقة تحضيرها، أشهرها الحريرة التي اشتهر بها أهل الغرب وأصبحت مشهورة وطنياً، والشربة الحمراء بالشعرية «المقطفة» في الوسط، أو شوربة فريك «الجاري» في الشرق، أو البيضاء التي تعد اختصاصاً للعاصمة وضواحيها. وتقدّم «شوربة فريك» مع الليمون وفطائر «البوراك»، والجدير بالذكر أن شوربة فريك الجزائرية، احتلت المرتبة السادسة على قائمة أفضل 20 حساء في العالم، حسب تقرير لـ CNN، الأمريكية.

فطاير السلطان

ويؤكد مصطفي أن طبق «شوربة فريك» لا بد أن يتم تناوله مع مقبلات «البوراك» سواء في شرق أو في غرب وشمال البلاد أو جنوبها، ويتكون من «الديول»، وهي رقائق من عجينة السميد شفافة يتم حشوها بالدجاج أو اللحم المفروم أو البطاطا والجبن أو التونة. وغيرها، ولتلك الفطائر حضور قوي في المدن والأرياف الجزائرية، وهو شائع في مختلف جهات البلاد على الأقل منذ العهد العثماني، كونه يحضر كوجبه مستقله ومتفردة في شهر نوفمبر منذ العام 1539م خلال احتفالات ختان نجل السلطان سليمان القانوني، لاسيما المحشو باللحم أو الدجاج وكذلك البيض، وربما هذا الاقتران بالمجالس والموائد السلطانية هو ما خلف المثل الشعبي المتداول إلى اليوم لدى الشعب التركي والذي يقول «لست غنياً بما يكفي لأتناول البوراك والبقلاوة يومياً».

مقبلات الحصاد

ومن جانب آخر يؤكد مصطفى قاسم أن المائدة الرمضانية الجزائرية تحضن أنواعاً مختلفة من المقبلات القائمة على خضراوات موسم الحصاد، واللحوم الطازجة ومنها طبق «الكبدة المشرملة» كما يقال في القاموس العربي «شرمل» ويقصد «التقطيع مع التتبيل»، ومنه استمدت تسمية هذا الطبق الجزائري التقليدي الذي يتكون من صلصة ثقيلة ومتبلة إلى جانب «الزرودية المشرملة» أي الجزر المطهو وتعود تسمية الجزر بـ«زرودية» نسبة إلى مكان اسمه زَرُود، حيث كان في جنوب تونس مدينة تحمل هذا الاسم، ذكرها الجغرافي الإدريسي في كتابه «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» في القرن 12 ميلادي واقترح الباحث الفرنسي جورج كولان أن «الزرودية» سميت على مدينة زرود لكثرة الجزر فيها، كما يفضل الجزائريون وجود طبق «الحميس» على المائدة كأحد أشهر المقبلات لدينا، ويتكون هذا الطبق من الفلفل على نوعيه الحار والحلو بالإضافة إلى الطماطم، الثوم، الزيت والملح، كما يتميز بنكهة الحر ويؤكل عادةً وهو بارد أو ساخن.

خبز المطلوع

ويشير مصطفى إلى أهمية التقاليد المتوارثة في إعداد المائدة الجزائرية بشكل عام والتي تمتلك الكثير من الخصوصية في طريقة الإعداد المنزلي، ويقول هو يقدم خبز «المطلوع» الساخن ويوزعه أمام جميع الحضور على المائدة: هذا خبز الدار التقليدي، ويعد أحد أشهر المخبوزات التي تقدم في فطور رمضان في الجزائر وفي دول شمال أفريقيا وهو من المعجنات التقليدية، ويسمى أيضاً الكسرة أو مطلوع لأنه ينتفخ فيصبح العجين داخله خفيفاً ولذيذاً، ويصنع غالباً من القمح، ويسمى كذلك بـ«خبز الخمير»، وظل محافظاً على شعبيته كأحد أهم المنتجات التي يكثر عليها الطلب في شهر رمضان، حيث تسيل رائحته الشهية لعاب الصائمين وتدفعهم للتسابق لشرائه، بمجرد خروج الفطائر من الأفران التقليدية التي تنتشر هنا وهناك. ويتلذذ الصائمون بفطائر المطلوع الساخن ويتناولونها على الفور مع طبق الشربة والسلطة بمختلف أنواعها.

الطهي البطيء

ويوضح مصطفى وهو يكشف عن الطبق المغطى بقمع من الفخار أمام الضيوف: وصفات الطاوجن الجزائرية وهي عبارة عن يخنات لذيذة مطبوخة ببطء. نظراً لأن غطاء وعاء الطاجن المقبب أو المخروطي الشكل يحبس البخار ويعيد السائل المكثف إلى القدر، ويلزم قدر قليل من الماء لطهي اللحوم والخضراوات.، وعادة ما تكون اليخنات من شرائح اللحم أو الدواجن أو الأسماك مع الخضار أو الفاكهة، كما تستخدم التوابل والمكسرات والفواكه المجففة. وتشمل التوابل الشائعة الزنجبيل، الكمون، الكركم، القرفة، والزعفران، حيث تستخدم الفلفل الحلو والفلفل الحار في طاجن الخضار إلى جانب مزيج الحلو والحامض شائع في أطباق الطاجين مثل طاجن الخوخ والتي لا تحتوي على الخوخ. وهي عبارة عن كرات البطاطا التي تشكل على هيئة خوخ محشي بكرات من اللحم المفروم، مع أفخاذ الدجاج والحمص يتم تقديم الطواجن بشكل عام مع الخبز.

أطباق مشهورة

وفيما يتعلق بالأطباق الرئيسة المشهورة خلال وجبة الإفطار الجزائري، يوضح مصطفى أن هناك الكثير من الأطباق الرئيسية المعروفة والتي تحظى بشعبيه بالغة خاصة في العاصمة الجزائر ولا تخلو منها المنازل ومن بينها الطبق الرئيسي «طاجن الزيتون».، وبحسب المؤرخين يعود تاريخه إلى الحضارة الأمازيغية الأصلية التي تسكن في شمال أفريقيا، وتم اختراعه منذ أكثر من 1000 سنة على يد الأمازيغ «Tad jinn»، وسمي بـ«طاجن» نسبة إلى الإناء الذي يطهى فيه، فيما أشارت بعض الروايات، أن البدو هم من قدموه لأول مرة للخليفة العباسي هارون الرشيد في أواخر القرن 18، لذلك تم ذكر هذه الأكلة في حكايات «ألف ليلة وليلة» في القرن التاسع.

أقدم مشروب

ويقول مصطفى وهو يصب لضيوف البرنامج مشروبات غازية يتعرفون عليها للمرة الأولى عن قرب في كاسات تحوي مكعبات من الثلج: يعتبر مشروب «سيليكتو» أقدم مشروب جزائري على الإطلاق، إذ ظهر عام 1878 بحي «بلكور» الشعبي بالعاصمة بواسطة عائلة يوسف حمود المتخصصة في صناعة النكهات عبر شركتها التي لا تزال تعمل إلى يومنا هذا. ولسكان العاصمة والمناطق المجاورة، حكايات قديمة عمرها 130 عاماً مع المشروب الغازي الوطني الأول والمستخلص من فاكهة التفاح، واسمه الأول «فكتوريا» وهو الأكثر مبيعاً على الإطلاق في السوق المحلية، وتحتفظ عائلتا «حمود» و«حافيز» بسر التركيبة العجيبة له، ويصنع بلونين أبيض وأسود من التفاح والليمون، وفي عام 1889 تحصلت شركة بوعلام على ميدالية ذهبية خلال المعرض الدولي بباريس في فرنسا. وتمتلك الشركة اليوم 6 وحدات إنتاج بالإضافة إلى وحدة الإنتاج التاريخية الكائنة بشارع حسيبة بن بوعلي بالجزائر العاصمة، ويتم تعبئة عصير الفواكه (بدون مواد حافظة) في قارورات بلاستيكية شفافة تحمل على وجهها علامة «سيليكتو».

قلب اللوز

وفيما يتعلق بأشهر الحلويات الرمضانية يقول مصطفى: تزين «قلب اللوز» والمعروفة بالبسبوسة في العديد من الدول العربية موائد الجزائريين بعد الإفطار مباشرة أو بعد الفراغ من صلاة التراويح؛ وهي لا تحتاج إلى كثير من المقادير لتحضيرها، ما يجعلها متاحة للإعداد في البيت أيضاً؛ فهي تتكون من سميد خشن وسكر وزبدة وماء الزهر، وكمية من سائل حلو يحضّر بطريقة خاصة؛ من أجل أن تسقى بها القطع، غير أن هذه المقادير أصبحت تتغير حسب الإمكانات والأذواق؛ حيث باتت تُحشى بالفول السوداني أو باللوز والكستناء والفستق والبندق، وتتضارب الروايات في اللسان الشعبي الجزائري حول أصول «قلب اللوز»، بين تركية وأندلسية وعباسية؛ وتقول الرواية الأندلسية إن «قلب اللوز» وصلت إلى شمال أفريقيا، والجزائر خصوصاً، في القرن الـ16 مع المسلمين الذين فروا من الأندلس، وهي الرواية التي لها من المصداقية في أوساط الجزائريين.

الحلوى المجاهدة

ويثير مصطفى فضول ضيوفه من فريق العمل من خلال حديثة عن الجانب التاريخي وقصص الأطباق المتوارثة، خاصة وهو يضع حلقات حلوى الزلابية أمام الضيوف قائلاً: تتضارب الروايات حول أصل تسمية الزلابية، فيرجعها البعض إلى اسم زرياب الأندلسي الذي ابتكرهَا عندما سافرَ إلى الأندلس ثم المغرب العربي، حيث حرف اسمه من زرياب إلى «زلياب. وهو أبو الحسن علي ابن نافع، مغني بلاط قرطبة الأموية خلال العقود الأولى من القرن التاسع الميلادي، ومن الجدير بالذكر أن بعض الذين شاركوا في ثورة التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي (1954-1962) يصفون «زلابية» مدينة بوفاريك الجزائرية بـ«الحلوى المجاهدة»، لأنها كانت تعتبر من الإكراميات التي تغدق بها أُسر المدينة على الثوار في الجبال والسجون.

طباعة Email