المطبخ الألباني.. مائدة «الباب العالي» المتوسطية

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تحتضن ثقافة الطهي في المطبخ الألباني مزيجاً نوعياً من وصفات الطعام المتوارثة عن الدولة العثمانية على امتداد البحر المتوسط، وذلك عبر تتبع السرد التاريخي لرحلة الوصفات انطلاقاً من موقعها الجغرافي في منطقة البلقان بجنوب شرق أوروبا، حيث تصبح القصة أكثر منطقية وقادرة على تفسير هذا التنوع الغني بالثقافات الذي بدأ خلال العهود القديمة لغوياً وعرقياً، عبر سكان الشمال الذين اختلط أبناؤها بعناصر من الشعب السلافي، وهم ينطقون بلهجة (الغيغ)، في حين ظهر تأثير المكونات اليونانية والتركية على سكان منطقة الجنوب الناطقون بلهجة (التوسك)، لتظهر مذاقات غنية بنكهات شعبية على الطريقة الألبانية الخالصة.

تأثير حضاري

وسط أجواء عائلية عامرة بنفحات الشهر الفضيل، استقبلت الألبانية أوريلا سوكو، ضيوف «وين معزوم اليوم» بكثير من الترحاب والمحبة لتذوق أصناف طعام المائدة الرمضانية الألبانية، التي على حد تعبيرها تمثل مزيجاً حضارياً قريباً من وصفات البحر الأبيض المتوسط، وشديد التأثر بالمطبخ التركي العثماني إلى جانب الإيطالي، واليوناني، الذي يتميز بطبيعة الحال باستخدامه العديد من الأعشاب، كالرّيحان، والنعناع، وإكليل الجبل، كما يستخدم السّمك، واللَّحم، وأنواع الخضار المُختلفة في كلِ أطباقه تقريباً.

3 أقاليم

وتضيف أوريلا: تعود جذور المطبخ الألباني إلى 3 أقاليم رئيسية، هي الإقليم الريفي، والإقليم الساحلي، بالإضافة إلى الإقليم الجبلي، وبالتالي تعتبر اللحوم والأسماك والخضراوات أساسية في المطبخ الريفي الشمالية، حيث يكثر استخدام مكونات وخضراوات، التي تنمو عادة في المنطقة مثل البطاطا، والجزر، وكذلك الفاصوليا والكرنب (الملفوف) إلى جانب الكرز، الجوز واللوز، الثوم والبصل، وهي من العناصر المهمة وتضاف إلى معظم الوصفات الشهيرة.

الطبق الوطني

ومن أشهر الوصفات الحاضرة في الشهر الفضيل، تؤكد أوريلا أن «تيف كوسى» يعتبر الطبق الوطني في البلاد، وهو عبارة عن طاجن اللحم مع اللبن خليط الزبادي والبيض، يضاف إلى طحين القمح والزبدة. والجدير بالذكر أن هذا الطبق يحظى بشعبية في تركيا، حيث يعرف باسم «إلباسان تافا» على اسم مدينة إلباسان في ألبانيا. ومن الإضافات التي أجريت على الطبق في المطبخ التركي، إضافة صلصة البشاميل بدلاً من صلصة اللبن التقليدية، وتقدم ساخنة كوجبة رئيسية مكتملة العناصر الغذائية، ويمكن تناولها مع الرز أو الخبز أيضاً.

مقبلات الفصول

وحول وجود أنواع من أطباق المقبلات على المائدة، تضحك أوريلا وتمازح الضيوف بمرح: نحن نعشق الطعام الطازج الشهي الذي يذكرنا بخيارات الطبيعة في الفصول الأربعة، لذلك أعددنا أصنافاً كثيرة من أطباق المقبلات الأكثر شهرة لدينا، ومنها طبق «فيجاس» المكون من الفلفل الأحمر والأخضر، والبصل، والبندورة، والجبنة، والتّوابل المختلفة. وعادة ما يُقدّم مع الخبز، بالإضافة إلى طبق «بريم ني سكير»، الذي يعد من أشهر أنواع المُقبّلات في ألبانيا ودول البلقان بأكملها، والمكون من الخضار المشويّة، مثل الكوسا، والباذنجان، والبصل، والبندورة، والفليفلة، والجبنة.

فطائر عثمانية

وبما يتعلق بوصفة «البوريك»، تؤكد أوريلا أنها تسمية تركية، وتعني «فطيرة»، وقد ورثها الألبانيون عن الدولة العثمانية، كما هو الحال في بلاد الشام والبلقان ودول شمال أفريقيا وأرمينيا وإيطاليا والعديد من الدول الأخرى. ويحضر على الطريقة التقليدية من خلال فرد طبقات من العجين التي يتم لفها يدوياً. ويمكن أن يكون الشكل النهائي مثلثات أو مربعات صغيرة فردية، ويتم تقديمها باردة أو ساخنة. وتشمل الحشوات الأكثر شيوعاً: الجبن (خاصة الجيزو والجبن الرائب المملح) واللحم المفروم والبصل، بالإضافة إلى السبانخ والبيض والحليب. ويمكن أيضاً صنعها بالطماطم والبصل، والفلفل والفول، والبطاطس أو حشوة اليقطين الحلوة.

وتواصل أوريلا: «يعد كذلك طبق «محشي» أحد الأطباق الرئيسية من أرشيف المطبخ العثماني، ولكنه يمثل أيضاً طبقاً وطنياً لبلادنا بامتياز، وحسب الوثائق التاريخية المتوفرة، فإن الهيكلية الأساسية للمطبخ التركي ومواصفاته قد تشكلت في الفترة البدوية القديمة في الأقاليم الآسيوية الشرقية. ولا تزال سبل تعاطي سكان الأقاليم مع اللحوم والمعجنات والخضار والحبوب والأجبان واضحة للعيان في كثير من الأطباق المعاصرة. ولكن يظل حساء رأس الخروف الذي أمامكم من أشهر الأطباق التقليديّة في ألبانيا، ويتكوّن من رأس الخروف بشكل رئيسي، حيث يُنزع اللحم منه، ويطهى مع البصل، والثّوم، والخل، والفلفل الأسود، والملح».

المفارقة الألبانية

وتؤكد أوريلا أن المطبخ الألباني يندرج ضمن فئة «حمية البحر الأبيض المتوسط»، التي تتضمن استهلاكاً عالياً للمأكولات البحرية والخضراوات والفواكه والمكسرات وزيت الزيتون، ومع ذلك يتم استهلاك لحم البقر ولحم العجل ولحم الضأن بشكل شائع أيضاً. يُعتقد أنه بسبب هذا النظام الغذائي، تتمتع ألبانيا بعمر افتراضي مرتفع للغاية، عند مقارنة قوتها الاقتصادية مع البلدان الأخرى، التي وصفها بعض الباحثين بأنها «المفارقة الألبانية».

قطايف البقلاوة

وبعد تناول الإفطار قدمت أوريلا لضيوفها شراب الليمون المضاف إليه مهاء الزهر والثلج، وإلى جانب أشهر أطباق الحلويات لدينا، وهي من أهم التقاليد الرمضانية بعد صلاة التراويح، وتقول: هناك تقليد قوي للخبز لدى العائلة الألبانية المسلمة، خاصة فيما يتعلق بثقافة الحلوى خلال الشهر الفضيل في كل مدينة وقرية في جميع أنحاء البلاد، والتي تتكون بالكامل في المقام الأول من الفواكه، بما في ذلك البرتقال والليمون التي تنمو كذلك في البلاد. تقليدياً، غالباً ما تؤكل الفاكهة الطازجة بعد الوجبة كحلوى، وتضيف أوريلا، وقد علت الدهشة وجوه الحاضرين بعد أن مررت طبق «القطايف» أمامهم وذكرت اسمه، كونه يعرف في البلاد العربية بالبقلاوة، بكل تأكيد فإن الطبق الذي أمامكم ليس طبق «القطايف الذي تعرفونه، ولكننا هكذا نطلق عليه، حيث تصنع بشكل متكرر في ألبانيا، خاصةً في الأعياد الدينية للمسلمين والكاثوليك والأرثوذكس. يتم تحضيرها على صوانٍ كبيرة، ومقطعة إلى مجموعة متنوعة من الأشكال. تكون البقلاوة إما بالبندق أو الجوز المحلى بالشراب».

 

حلوى تاريخية

وتوضح أوريلا: يعد طبق «أشور» أقدم حلوى في العالم، يتم تقديمها بشكل خاص خلال أعياد المسلمين في ألبانيا، وهو عبارة عن خليط يتكون من الحبوب والمكسرات وكذلك الفواكه والفواكه المجففة، ويقدم إلى جانب الشاي الذي يعد المشروبات المستهلكة على نطاق واسع في جميع أنحاء البلاد، وتشمل الشاي الجبلي على الطريقة الألبانية، الذي ينمو في الجبال والقرى الألبانية، والشاي الأسود على الطريقة الروسية والتركية مع السكر إلى الشاي بالليمون أو الحليب أو العسل.

طبلة المسحراتي

وحول أجواء شهر رمضان في ألبانيا وتقاليد المسلمين في الاحتفال بالشهر الفضيل، تقول أوريلا: تحظى شخصية «المسحراتي» بحضور كبير في ألبانيا، وقد انتقلت إليهم عن طريق الأتراك، حيث يمر رجل يحمل «طبلة» يوقظ الناس بها، مردداً بعض الأدعية والابتهالات الدينية، ومع نهاية الشهر يعطيه السكان ما تجود به أيديهم من المال أو العطايا. وتبرز فكرة الإفطارات الجماعية وتكثر في الشمال والوسط الألباني، حيث أماكن وجود المسلمين، وتكثر اللقاءات والاجتماعات بين المسلمين في أيام وليالي هذا الشهر الكريم، ويتبادل الناس الأحاديث الدينية، ويتناقشون في شؤون وشجون إخوانهم المسلمين في بقاع العالم الإسلامي. وتعقد في مساجد ألبانيا خلال شهر رمضان دروس العلم، وحلقات تلاوة القرآن، يقوم بها الأئمة من تلك البلاد. ومن أهم المساجد هناك، مسجد «دينة خوحا»، وهو في العاصمة.

زفاف رمضاني

وتشير أوريلا: إن الزواج في شهر رمضان يعد من العادات التي يتبعها الشعب الألباني، وتختلف كلياً عن عادات المسلمين في معظم الدول الأخرى، فشهر رمضان في ألبانيا يعد موسماً للزواج، وتتم فيه معظم الأعراس، ويرجع ذلك إلى اعتقاد منهم بأن شهر رمضان هو شهر البركة، ومن التفاؤل أن يبدأ العروسان حياتهما في هذا الشهر تحديداً، وأنه سيكون أمراً مختلفاً لحياتهم. وعلى الرغم من ذلك فإن الأعراس تقام في فترة النهار في أيام رمضان ويتم تقديم الطعام والشراب في الأعراس كطقس طبيعي، على الرغم من فترة صيام المسلمين وامتناعهم عن تناول الطعام والشراب، وهو ما يتسبب في انتقادهم من باقي المسلمين في البلدان الأخرى، ومن أهم عادات الزواج أيضاً في ألبانيا حرص العروسين على زيارة الجامع الكبير في العاصمة الألبانية، ومقابلة إمام الجامع للدعاء لهم، والجلوس لبعض الوقت للدعاء وقراءة القرآن، فهم يعتبرون ذلك من علامات البركة التي يحتاجون إليها في بداية حياتهم.

طباعة Email