«بنت البادية» دفء البيت الإماراتي

في حلقة «وين بنسير اليوم؟» نرتاد شاطئ أم سقيم، نجمع بعضاً من صدفه ونهمس في أذن محاراته، نعاين قصور الأطفال الرملية، ونغازل أشعة الشمس، قبل المضي نحو «بنت البادية»، حيث تشعر بدفء البيت الإماراتي، في أحضانه نتذوق مجموعة من الأطباق الإماراتية التي أعدت بأنفاس لا تخلو من حرارة الحب، ونعايش تجربة صناعة الحلويات المنزلية. 

جميلة هي شواطئ دبي، على رمالها يرتسم الفرح، ومن بين أمواجها يطل الخير، يرتادها الجميع من مواطنين وعرب وأجانب، بعضهم يغازلون فيها أشعة الشمس، وآخرون يغفون تحت ظلال أنوار القمر، حيث تحلو جلسات السمر.

على رمالها تعود الأطفال بناء قصورهم، يشيدون جدرانها العالية، يسقونها بملح البحر، يزرعون على أطرافها صدفات قدمها البحر هدية للصغار، فيما تعود الكبار على التقاط المحارات، ليهمسوا في أذنها بأسرارهم، ويخبروها بأمنياتهم.

شواطئ دبي مفتوحة على الهواء، كما شاطئ أم سقيم، الذي يرتاده راكبو الأمواج، هناك يستعرضون مهاراتهم في ترويض الموج، بينما يطلق آخرون العنان لسفنهم الشراعية، ليتنسموا الهواء العليل، ويتذوقوا طعم ملح البحر الذي تعود أن يحمل مرتاديه على ظهره، وأن يأخذهم في رحلة ساحرة، تنقش حروفها على جدران الذاكرة.

شاطئ أم سقيم المجهز بكل شيء، يرتاده الجميع، بحثاً عن الصفاء وألفة دبي، يقرأون تاريخها، وهم يمارسون هوايتهم.

روائح التوابل

الأصالة لا تسكن شاطئ أم سقيم فقط، وإنما تغلف جدران مطعم «بنت البادية»، ذاك الواقع في مكان غير بعيد عن الشاطئ، حيث تفوح في أروقة روائح التوابل والبهارات الأصيلة، وتعبق في المكان أصالة المأكولات الشعبية. للمطعم من اسمه نصيب، فهو يحمل دلالة على أصالة الانتماء، ما أن تلجه حتى تشعر بدفء البيت الإماراتي.

«بنت البادية» رأى النور قبل 3 عقود، على يد الوالدة سلامة راشد الطاير، التي رحلت عن الدنيا لتحط رحالها عند رب كريم، تاركة وراء ظهرها إرثاً للأجيال تتذكرها كلما تذوقت طعم الأطباق التي يتم إعدادها بأنفاس لا «تخلو من حرارة الحب»، ويتم تقليبها على نار هادئة، بعد أن يرش عليها بهارات المودة، وتخلط بزيوت الطيبة، لتفوح منها روائح تذكرنا بـ «زمن الطيبين».

تمتاز أطباق «بنت البادية» بـ «نكهتها» فهي صنعت على «طريقة البيت الإماراتي»، وفق ما تقوله ناعمة، التي ورثت المطعم عن والدتها سلامة.

حيث تشير إلى أن والدتها الراحلة، اجتهدت في تدريبها ومن يعملون معها في إعداد أطباق الهريس والثريد والمجبوس والمشوي، وغيرها من مأكولات شعبية أصيلة، وتقول: «كانت الوالدة تحرص دائماً على أن يكون الطعم أصيلاً يشبه ما يقدم على موائد بيوتنا الإماراتية».

مائدة الضيوف

في أيام رمضان المبارك، تعودت ناعمة أن تمد مائدتها أمام ضيوفها، لا تنفك عن ترديد جملتها «هني وعافية»، وتحرص على أن تكون متكاملة، بدءاً من التمر والماء وليس انتهاءً بالحلويات، كما تحرص أيضاً على أن تقدمها بذات الطريقة التي تقدم فيها داخل البيت الإماراتي. وتقول: «هذه الأطباق هي إرثنا ويجب أن نحافظ عليه، وأن نقدمه إلى ضيوفنا بنفس الطريقة التي نقدمه فيها لأنفسنا».

رائحة الثريد والهريس تكاد أن تطغى على المكان الذي صمم بطريقة تشبه المجالس الإماراتية. إن تسألها عن سر نجاح المطعم، تجيبك ناعمة بلسان يلهج بالدعاء لوالدتها.

وتقول: «السر يكمن في طيبة النفس، والخلطات والبهارات والتوابل التي كانت الوالدة رحمها الله، تستخدمها خلال إعداد هذه الأطباق التراثية». خلال زيارتك للمكان، لن تشعر بالغربة، فكل ما فيه يشي بحميمية خاصة، ودفء لا يمكن أن تجده في أماكن أخرى.

لا تخلو مائدة «بنت البادية» من الحلويات، وعلى رأسها «الخنفروش» أو اللقيمات، وعصيدة بوبر التي تصنع من اليقطين، وأيضاً من مشروبات الساقو والعصائر الطازجة، وتوضح ناعمة أن الفرق ما بين الخنفروش واللقيمات، يكمن في طبيعة الخلطة حيث الأولى يكثر فيها الحليب، وتقلى بكمية زيت قليلة، فيما الثانية يجب أن تغمر بالزيت، حتى تكتسب لونها الذهبي.

طباعة Email