«بنت النوخذة» طعم المطبخ الإماراتي الأصيل

في حلقة «وين بنسير اليوم؟» يتجلى تاريخ كلباء، تلك المدينة الناعمة، التي تعودت أن تغفو على طول الساحل الشرقي، نزورها ونتمشى على كورنيشها، ونحط رحالنا في مطعم «بنت النوخذة» الذي يتجاوز عمره العقدين، حيث نتناول طبق «ثريد الدجاج»، ونستمتع معاً بحبات «اللقيمات» الذهبية.

المدن كما النساء، يتربع الجمال بين تفاصيل وجهها، فتصبح عيناها أقماراً، ووجنتيها وردتين، بينما ينسدل شعرها كليل مبهج، وكذلك هي كلباء، صاحبة الثغر الباسم والشعر الطويل الذي يتمدد على طول الساحل الشرقي لإمارة الشارقة. لم تنتصر الشيخوخة يوماً عليها رغم عمرها المديد، فقد اكتسب وجهها نضارة الشباب، يعشقها كل من يحط رحاله فيها، ويشعر بأنه جزء من روح المدينة، التي كانت ولا تزال عامرة بأصوات الناس منذ العصور الغابرة، ذلك ما تشهد به كتب التاريخ، والدراسات الأثرية التي راحت تفتش في خزائن المدينة لاكتشاف أسرارها الدفينة.

عقود طوال مرَّت على المدينة، التي تعودت أن تفتح عينها واسعة على الشواطئ، كانت قديماً حصناً منيعاً، ذلك ما اكتشفه شواهدها الأثرية ذات الصبغة الدفاعية مثل القلاع والحصون، وأشهرها قلعة كلباء الحصن، ومع توالي الأيام، بدأت بالتحول إلى مزار سياحي، يزيّن الساحل الشرقي للإمارات، حتى بات الجميع يعتبرها «درة» الساحل الشرقي. ولكلباء وجه أخضر، وأرضها زاخرة بالمحميات، كما المحفية ومحمية أشجار القرم، والتي تمتاز بتنوع موائلها الطبيعية.

رداء شعبي

منذ زمن طويل، وكلباء تدثر نفسها برداء شعبي، ترتبط عبر خيوطه مع الماضي، وتتشابك بطريقة جميلة، لتعكس جمال الأصالة والعادات والتقاليد الإماراتية، في رحلتنا لكلباء، تلمسنا هذه الخيوط، واستمتعنا بجمالها ورقتها وأصالتها أيضاً، وبرائحة المأكولات الشعبية التي تفوح من مطاعمها. أكثر من عقدين هو عمر مطعم «بنت النوخذة»، منذ ذلك الوقت وهو يسكن كورنيش كلباء، حاملاً بين يديه قائمة طعام ممتدة، جلها خرجت من أروقة المطبخ الإماراتي. للوهلة الأولى قد تبدو خيارات قائمته محيرة، لكثرتها وأصالتها، حيث جل أطباق المطعم من هريس وثريد وغيرها، تتنافس على تقديم الطعم الأصيل للمطبخ الإماراتي، ومن بينها يبرز طبق «ثريد الدجاج»، الذي يجمع في مكوناته بين الدجاج والخضار وخبز الرقاق والمرق أو «الصالونة» كما يطلق عليها باللهجة المحلية، والتي تتكاتف معاً وتلتقي في حضن طبق يمتاز بعراقته.

الثريد، طبق شعبي عريق في تاريخه، وتكاد تتقاسمه معظم الدول العربية، بينما يلعب في الإمارات دور البطولة على طاولات المطاعم والمطابخ الشعبية، البعض يعده مع اللحم أو السمك أو الدجاج، وهو لا يكاد يغيب عن المائدة في الشهر الكريم، فهو يحمل في مكوناته قيمة غذائية عالية، ما يجعله طبقاً مرغوباً، تتعلق فيه قلوب الصغار والكبار على حد سواء، البعض يتناول معه عصير الشمندر المزين بحبات الرمان، بينما آخرون يفضلون تناول الماء معه.

صبغة شعبية

 

تفرض الصبغة الشعبية سطوتها على تفاصيل مطعم «بنت النوخذة»، حيث تصميمه مستوحى من طبيعة البيت الإماراتي والتراث البحري، وفي أرجائه تتناثر مجسمات السفن الخشبية، لتعيد إلى الذاكرة بعضاً من ملامح أيام الغوص والصيد والرحلات البحرية التي دأب أبناء المجتمع الإماراتي لأجلها على خوض غمار البحر طلباً للرزق.

في رمضان، تتنافس الحلويات على قلوب الصائمين، تحاول أن تغريهم بما يسيل منها من سكريات، وفي قائمة «بنت النوخذة» تتسع دائرة الحلويات الشعبية، حيث تقع العين على حبات «اللقيمات» الذهبية، والمغمورة بدبس التمر أو العسل، وقد زينت بقليل من السمسم، الذي يكسبها مزيداً من اللون الذهبي. أسماء كثيرة في الإمارات تطلق على كرات «اللقيمات» المصنوعة من الطحين المضاف إليه بودرة الحليب والماء وحبة البركة، وتمتاز بطعمها المقرمش، فالبعض يدعوها بـ «خنفروش» وآخرون يسمونها «فقاع»، بينما تظل اللقيمات هي الاسم الشائع في المجتمع.

طباعة Email