عبد القادر الريس في حب «واو» الوطن

ت + ت - الحجم الطبيعي

حين يُذكر الفن التشكيلي في الإمارات يحضر بالضرورة اسم الفنان عبد القادر الريس، واحداً من عناوين الريادة الفنية في الإمارات، إذ تمتد تجربته إلى أكثر من نصف قرن، استطاع خلالها أن يوجد سيمفونيته اللونية، التي عزف عليها بمهارة وهو يمزج الألوان الأساسية، كي يحصل على درجات لا نهائية من الألوان التي تميزه، وتشبعت بها لوحاته وحددت المواضيع التي اختارها، بدءاً من الواقعية مروراً بالانطباعية وانتهاءً بالتجريد.

كل هذا التفرد أهّل الريس الذي ولد في دبي عام 1951، ليعرض أعماله في صالات متنوعة حول العالم، حيث بيعت إحدى لوحاته في مزاد كريستز بـ 773 ألف درهم في العام 2016.

التراث والمعاصرة

عبد القادر الريس، الذي أقام معرضه الأول في دبي عام 1974، حصل على العديد من الجوائز، منها جائزة الإمارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب، فرع التصوير والرسم في العام 2006، التي يعتبرها أهم جائزة في حياته، حيث تسلمها من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله.

جاءت هذه الجائزة تقديراً لتجربة الريس، الذي تفاعل في لوحاته مع طبيعة الإمارات، مجسداً الجبال والصحاري الرملية والواحات والنباتات والبحر والسماء، بعيداً عن الأبنية الشاهقة، حيث الطبيعة الثرية تتحدث عن نفسها بكل عنفوان.

في تجربته سجل الريس إخلاصاً فنياً حتى أدق التفاصيل للطبيعة الإماراتية، وهو ما كان يستلزم عدة أشهر في رسم لوحة واحدة، خصوصاً تلك اللوحات التي رسم فيها الأبواب القديمة وما تحمله من زخارف متنوعة. وكل هذا بهدف «تسجيل التاريخ والحفاظ عليه إلى جوار الجانب الجمالي»، كما ذكر الريس في أحاديثه عن تجربته.

معان عظيمة

وما بين عمل وآخر، بدأ الريس يتحرر من التفاصيل لصالح التجريد، ومن ثم اتجه إلى «الحروفيات» التي تبين انتماءه لهويته العربية، وذلك في أوائل تسعينات القرن الماضي، مستخدماً في الكثير من تلك اللوحات الحروفية حرف «الواو» الذي يبدو معلقاً في فضاء اللوحة، ومكرراً لمرات عدة وكأنها صدى يتردد من حروف تصغر وتكبر، ولم يكن اختيار هذا الحرف في العديد من اللوحات عفوياً، بل جاء اختياراً دقيقاً. وقد قال في إحدى المرات بأن «الواو يحمل معاني عظيمة مثل وطن»، ولهذا تفاعل معها الريس وعبر عنها بإيقاع فني خاص؛ إلى جانب أن الواو حرف مرن من الناحية الجمالية، كونه قابلاً للانحناء والتمدد في اللوحة بطريقة انسيابية، خصوصاً وأن الفنان اعتمد على خط الثلث في الكتابة، وبقي الحرف في لوحته كإشارة ورمز، وهو بهذا لا يحتمل أي تأويلات، بل يدل على حرص الفنان على توظيفه في اللوحة، ضمن رؤية ومسحة جمالية يلعب فيها الشكل، كما اللون، دوراً بارزاً. ومن خلاله استفاد من تجربة الحداثة العالمية، ومزج بين التراث والمعاصرة، معتمداً على خياله الذي يتجسد فناً.

رسالة

عبد القادر الريس الذي أقام معرضه الأول في دبي عام 1974، أقام من بعده معارض شخصية عدة، وشارك في معارض جماعية في الإمارات والكويت وبيروت وبراغ وواشنطن وبرلين وغيرها من مدن العالم، أظهر من خلالها تفرده الفني، الذي يمكن التفاعل معه منذ اللحظة الأولى لدخول دبي، حيث تعرض جداريات رسمها الريس في قاعة كبار الزوار، كما تعرض أعماله في دوائر حكومية وخاصة في الإمارات، وزينت أعماله عربات مترو دبي، كنوع من الفعاليات المصاحبة لأحد مواسم «آرت دبي».

إنها علاقة متبادلة بين الفنان الريس ودبي، حيث جسد الأماكن التي يتردد عليها في المدينة مثل حي الفهيدي التاريخي وورش صناعات قوارب الداو، وغيرها من أماكن تدل على أن لكل فنان رسالة يقدمها للناس، وأن الفنان الذي يوغل في المحلية لا بد أن يصل للعالمية، كما قال الروائي الشهير غابريل غارسيا ماركيز ذات يوم.

طباعة Email